لهذا نقول: إن الله جل وعلا قدر في خلقة الإنسان أنه على أحسن تقويم إلى أن تقوم الساعة, فهذا أمر ماض, وما يستثنى من ذلك فهو من قدره أيضًا, فكان الجاهليون يعلمون أن الله جل وعلا جعل البيت مثابة للناس وأمنًا حتى قدرًا, ولهذا عبد المطلب لما جاء أبرهة لهدم المسجد الحرام علم أن لله جل وعلا سنة في ذلك, وهو أن ينزل العقاب بمن أراد بالمسجد الحرام إلحادًا, وأن يذيقه الله جل وعلا من العذاب الأليم, فقال: للبيت رب يحميه, فحماه الله سبحانه وتعالى, وما حدث من بعض الفتن في مكة من القرامطة, وكذلك أيضًا في حصار الحجاج ابن الزبير ومن معه في مكة, وما حدث من خوف لأهلها, وقتل لبعض الأنفس فيها, وقصة القرامطة وسلبها الحجر، وقتل بعض الناس ونحو ذلك, فهذا كله من قدر الله الذي لا يلغي الأصل في ذلك, ولله جل وعلا سنن ومقادير, وما يند عن تلك العادة فهو من قدر الله جل وعلا, فيكون ما يند هو بالنسبة لأذهان الناس يريدونه مضطردًا والله جل وعلا جعل له شيئًا على الاستثناء منه, وهو من قدره سبحانه وتعالى, ونستطيع أن نقول: إن سنن الله الكونية على نوعين: سنن مضطرد لا تنخرم, وسنن غير مضطرد يجعل الله جل وعلا لها قدرًا يستثني من ذلك الاضطراد, فهذا كله من قدره سبحانه وتعالى, وهذا يجد له الإنسان أمثلة كثيرة, فكلها داخلة في قدره جل وعلا. وأما بالنسبة للأمان الشرعي فهو ما جعله الله جل وعلا من تحريم القتال عند المسجد الحرام, وكذلك أيضًا من تحريم تنفير الصيد, وقطع الشجر, وغير ذلك مما حرمه الله سبحانه وتعالى من سائر المحرمات التي تعظم في هذا المكان أعظم من غيره, فهذا كله من الأمان الشرعي, وهذا الأمان تعظيمًا لهذا البيت وخصه سبحانه وتعالى به.