وكان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يتساءلون بحق الرحم، كما جاء ذلك عن علي بن أبي طالب و عبد الله بن جعفر وغيرهما عليهم رضوان الله تعالى، مما يدل على جواز أن يسأل الإنسان برحمه، وأن يسأل بحق الرحم، وهو شبيه بالتوسل بالعمل الصالح أو بطلب حقها. وعلى هذا يحمل ما جاء في الحديث المتكلم فيه: (أسألك بحق السائلين وبحق ممشاي) ، وحق السائلين أن يجيبهم، وحق الممشى أن يعظم الله عز وجل أجر السائر إليه، وإلى مواضع العبادة، سواءً كان ذلك في صلاة أو في رباط أو في صلة رحم، أو غير ذلك من الأعمال الصالحة، كبر الوالدين وغير ذلك، وهذا من الجائز. والرحم مشتقة مما خلقه الله عز وجل في المرأة وهو رحمها، وقد جاء في الحديث: (أن الله عز وجل لما خلق الرحم تعلقت بالعرش، وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ فقال الله عز وجل: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك) ، فهي مشتقة من هذا. وعلى هذا نعلم أنه يخرج من القرابات أو مما يتواصل به الناس من غير الرحم في هذه الآية، وسواء كان بالرضاع أو كان ذلك بالمصاهرة، فالرضاع والمصاهرة لا يدخلان في أبواب الأرحام، وحينئذ لا تأخذ أحكامها من جهة وجوب الوصل ولا فضله، وإنما تتعلق بها أدلة مستقلة، فما كان من أمور المصاهرة والأنساب والزيجات فإن ذلك لا يدخل في أبواب الأرحام؛ لأنه ليس من أصل الاشتقاق، ولا من وضع الشارع، ولا عليه موارد الأدلة في كلام الله وفي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك في الرضاع, فإن الرضاع ليس من الرحم، ولا يجب في الرضاع ما يجب في الرحم، من الحقوق، ومن صلة الرحم وغير ذلك؛ لأن الله عز وجل لم يدخلها في هذا الباب، ولم يجعل لوازم الرضاع والمصاهرة كلوازم الرحم، وذلك من أمر الإرث ووجوب الوصل وغير ذلك من الأحكام والتشريعات.