وأما إذا كان من الأرحام من غير ذوي المحارم ولكنه ليس بمحتاج، فيقال: إنه داخل في عموم الأدلة في فضل صلة الرحم بالاتفاق، وفضله في ذلك متأكد إلا أنه لا يجب. والتعليل في ذلك أن يقال: إن الشريعة الأصل فيها الإحكام، والفصل بين الحقوق الواجبة وغير الواجبة، كذلك ما يجب على الإنسان ويأثم به وما لا يأثم به، فإذا قيل بصلة الرحم فما الحد في ذلك وما الضابط؟ وذلك أن للأب إخوة وهم الأعمام، وللأعمام أبناء، وللجد إخوة وهم أعمام الأب، ولهم أبناء، ويتسع هذا الأمر، فمتى يسقط التكليف عن الإنسان؟ يقال: إن التكليف يسقط عن الإنسان إذا وصل ما يحرم نكاحهم من ذوي الأرحام، وأن يسد حاجة المحتاج من غيرهم من ذوي الأرحام الذين لا يحرم عليه نكاحهم, وذلك كأبناء العم وأبناء الخالة وإن نزلوا، وكذلك وإن بعدوا، ويسد الحاجة في ذلك بالأدنى والأقدر، أي: أدناهم إليه هو أولى بالوصل وسد الحاجة، وكذلك أقدرهم يدًا أعظم من جهة نزول الوجوب عليه ومن جهة أداء ذلك الحق. ومن الأدلة على رجحان هذا القول: أن الذي يجب في صلة الرحم من ذوي الأرحام أنهم المحارم: أن الله سبحانه وتعالى حرَّم على الإنسان أن يجمع بين الأختين. ومعلوم أن الجمع بين الأختين محرم, وقد جاء في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام جملة من الأحاديث، منها: ما جاء في حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها) ، وفي قول الله عز وجل: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ [النساء:23] . والجمع بين الأختين محل اتفاق على تحريمه. إذا قيل بهذا أنه مما يحرم على الإنسان نكاحه، فالله عز وجل أجاز للرجل أن يتزوج المرأة على سبيل الانفراد، ولو طلقها وتزوج أختها جاز له ذلك، وأما الجمع بينهما فبسبب القطيعة فقد حرمه الله جل وعلا ولو كان مباحًا، والقاعدة: أن الله لا يحرم المباح إلا لتفويت واجب، أو الوقوع في محرم.