هذه الآية تجاوزناها وفيها معنى لو تأملناه نجده دقيقًا, وهو: ما يتعلق بالعهد والميثاق إذا كان بين جماعتين أو عقده المسلمون مع جماعة من الكفار, ونقض هذا العهد طائفة أو فريق منهم ولم ينقضه الجميع؛ فإنه يعتبر لاغيًا بجميعه، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا في ذكره لحال أهل الكتاب حيث قال: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:100] ، يعني: لم ينبذوه جميعًا وإنما نبذه فريق منهم, فأخذ الله جل وعلا اليهود كلهم بسبب هذا النقض الذي وقع فيه فريق منهم، والله سبحانه وتعالى ذكر في هذه الآية عادة أهل الكتاب, وذلك بنقضهم للعهود, وخاصة اليهود, فإنهم معروفون بنقض العهود والمواثيق، ولهذا بين الله جل وعلا أخذه الميثاق عليهم في مواضع عديدة، ومن ذلك الإقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] ، فبين الله سبحانه وتعالى حال محمد في كتابهم على أمور متعددة، منها: حال التشريع الذي يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم, والرسالة التي يأتي بها, ومن ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وكذلك التشريعات بإحلال الطيبات وتحريم الخبائث، ومعنى: يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] أي: أن الله جل وعلا جعل شريعة محمد رحمة وليست عقابًا بخلاف شريعة أهل الكتاب، ففيها الرحمة وفيها العقاب لهم, ولهذا امتازت هذه الشريعة عن شريعة بني إسرائيل أن الله عز وجل لا يحرم على المسلمين شيئًا عقوبة لهم كما يحرم على اليهود والنصارى شيئًا عقوبة لهم، حين حرم الله عز وجل عليهم الشحوم وبعض الأنعام ونحو ذلك، فهذه من الطيبات التي حرمها الله عز