إذًا: الوثنيون -وهم ما كان عليه الأوس والخزرج- هؤلاء ينظرون إلى أهل الكتاب هل يتبعون محمدًا أم لا؟ ولهذا شدد الله عليهم؛ لأن عدم إيمانهم بمحمد فتنة لغيرهم، ولهذا اهتم الله عز وجل بأخذ الميثاق على بني إسرائيل تشديدًا عليهم، وفي هذا من الأمور أنه ينبغي للإنسان أن يشدد الأمر ويوثقه على من يقتدى به؛ خشية أن يزل فيزل معه الناس, ولهذا الله عز وجل أخذ الميثاق على اليهود أكثر من أن يأخذه على النصارى؛ لأنهم أكثر الناس نقضًا للعهود، وكذلك أكثر الناس تحريفًا لكلام الله سبحانه وتعالى بالمعنى، وتحريف المعنى أعظم وقعًا من تحريف اللفظ كما تقدمت الإشارة إليه, ولهذا شدد الله عز وجل عليهم في ذلك؛ لأن في عدم إيمانهم بمحمد فتنة لغيرهم, ولهذا دخل أفواج النصارى فتبعهم في ذلك خلق كثير من المشركين من الوثنيين وغيرهم؛ لأنهم كانوا يتيمنون بهم في هذا, ويكفي في هذا أن الأوس والخزرج كانوا في الجاهلية إذا ولدت المرأة منهم بطنًا يضعونه مسترضعًا عند نساء اليهود؛ تيمنًا بما هم عليه، وهذا فيه من التأكيد على من يقتدى به في الأمر أن يلتفت إليه, وكذلك أن يوعظ وأن يذكر وأن يخوف بالله عز وجل؛ لأن الناس يقتدون به, وينبغي أيضًا أن توضح له البينات أكثر من غيره كما وضح الله عز وجل ذلك لبني إسرائيل, فكان عند بني إسرائيل من أخبار محمد صلى الله عليه وسلم ما لا يوجد عند قوم محمد عليه الصلاة والسلام من كفار قريش من العلم أو القرائن ونحو ذلك مما يعلمونه من أمره، وإنما يعلم من أمره من لديه شيء من بقايا الكتاب من النصارى كورقة بن نوفل ونحو ذلك, ولديهم شيء من هذا النور مما يخبرون به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أماراته، ولهذا تجد اليهود والنصارى لديهم علم بحال محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من قوم محمد عليه الصلاة والسلام, فكانت الفتنة في عدم إيمانهم أعظم من الفتنة في عدم إيمان قوم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي