فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 1575

كذلك أيضًا في أمر المخلوقات: ينبغي للإنسان ألا يطلق بصره تعظيمًا وانبهارًا إلا تفكرًا في أمر الله, أما أن يطلق بصره لغير هذه العلة فإن الأمر في ذلك سعة, ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [الحجر:88] , ولم يقل: لا تنظر؛ لأن النظر شيء ومد البصر شيء, والمراد بالمد هو: الإطلاق على سبيل الاستمرار والمداومة, بخلاف النظرة التي ينظرها الإنسان؛ لأن النهي عن النظر ينافي الحكمة من خلق البصر أصلًا؛ لأن البصر ما خلق إلا لينظر, ولكن الله عز وجل نهى عن مد البصر؛ لأن مد البصر هو المداومة عليه حتى يتعلق قلب الإنسان بذلك الشيء فيميل إليه ويعبده من دون الله, ولهذا الذي ينظر إلى المادة ويديم النظر إليها منبهرًا معظمًا لها فإنه يميل إليها, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: (تعس عبد الدرهم, تعس عبد الدينار, تعس عبد الخميصة, تعس عبد الخميلة) , وهذا ما علق نفسه بالدينار والدرهم إلا بإدامة نظر وتفكر وحساب وعد فيها, ثم عبدها من دون الله عز وجل, ولهذا نقول: إن نظر العين هو سجود كسجود الجسد لله سبحانه وتعالى, ينبغي ألا يكون بالمد إلا على سبيل التفكر والتأمل, وما عدا ذلك يكون نظرًا على سبيل العلم والإحاطة, بحيث إن الإنسان يعرف الجهات، ويعرف أحوال الناس ونحو ذلك, أما الإطلاق فيكون على سبيل التدبر والتأمل تعظيمًا لله سبحانه وتعالى. وفي إطلاق نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء, أراد بذلك أن يظهر الضعف والانكسار والتعلق بالله عز وجل, وطلب العون من الله جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت