فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 1575

وفي قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة:168] , (الناس) , يدخل في ذلك الناس باختلاف عقائدهم وأجناسهم، من الذكر والأنثى والصغار والكبار, وهذا من قرائن العموم, وذلك أن الخطاب إذا جاء عامًا فينبغي أن يكون المخاطب به عامًا كذلك, وإذا كان الخطاب خاصًا فيكون اللفظ عامًا والمخاطب به قد يكون عامًا وقد يكون خاصًا، وذلك أن الأمور المخصوصة بأشياء معينة تتوجه إلى الأفراد أكثر من العموم, وإذا خاطب الإنسان الناس كافة؛ مما يعني أنهم يشتركون بسائر منافع تختلف من فرد إلى فرد فاقتضى الاشتراك في لفظ العموم, ولهذا يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ [البقرة:168] , فهذا يشتهي كذا, وهذا يشتهي كذا, وهذا يشتهي كذا, فدل على أن الخطاب الذي صدر من الشارع في ذلك وهو مضمون الخطاب أنه عام كذلك, فكما أن المخاطب عام بسائر أجناس الناس, فكذلك المخاطب به وهو مضمون الخطاب عام, وهذا معلوم أن الإنسان كلما عم المخاطب منه عم الخطاب, وهذا يظهر في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام بعثه الله إلى الناس كافة, بخلاف الأنبياء السابقين, فبعثهم الله إلى أقوامهم, فخطابهم يأتي خاصًا, ولهذا يأتي من التشديد مما لم يأت في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم, وذلك أنه كلما اتسعت دائرة المخاطبين اتسعت رغباتهم ومطامعهم وشهواتهم, فينبغي أن يرد الخطاب إلى ما هو أعم من ذلك, ولهذا جاءت الشريعة بألفاظ العموم كثيرًا, وأطلقت الإباحة في مواضع عديدة, ورفع الله عز وجل ما حرم على الأمم السابقة من المحرمات من المطعومات والملبوسات, وأحله الله عز وجل لهذه الأمة؛ لأن الذي يخاطب في ذلك هو عموم البشر, وحتى تستجيب فطر الناس المختلفة والمتباينة لشريعة الإسلام جاءت شريعة الإسلام على هذا العموم, ولهذا نقول: إن قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة:168] , هذا من قرائن عموم المخاطب به,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت