والله عز وجل إنما ذكر الأكل كما تقدمت الإشارة إليه باعتبار أنه هو ألذ ما يحتاج إليه الإنسان, وهو أصل بقاء الإنسان, ولا يتمكن الإنسان أن يبقى أيامًا متتابعة بلا أكل, لكن يستطيع أن يبقى بلا لباس مددًا, وأن يبقى بلا نكاح مددًا, وأن يبقى بغير متع الحياة الأخرى, أما بالنسبة للأكل فإنه لا يستطيع الإنسان أن يبقى أيامًا, ولهذا يستطيع الإنسان أن يستغني, بل إن الإنسان إذا تزاحمت منافعه ولذائذه في الدنيا فإنه يقدم الأكل عليها, فإذا نوزع في اللباس باع لباسه ليأكل, وإذا نوزع في مسكنه باع مسكنه ليأكل, وإذا نوزع في منكحه دفع منكحه وطلق أو لم يتزوج ليأكل, ولهذا الناس إذا كانت أرضهم جدبًا وحبست السماء قطرها تركوا الأرض التي هم فيها ومساكنهم وذهبوا حتى يلتمسوا هذه النعمة التي أحلها الله سبحانه وتعالى, فتخصيص الأكل في هذه الآية دليل على أن ما دونها يدخل في أصل العموم إلا ما قيده الشارع, فيدخل في ذلك أن الأصل في المساكن الحل, فما يسكنه الإنسان من شجر وحجر ومدر وغير ذلك أن الله عز وجل أحله له, كذلك أيضًا ما كان من الشعر والصوف, وما كان من لباس الإنسان على اختلاف أنواعه, إلا ما دل الدليل عليه, ويستثنى من هذا العموم مما كان دون الأكل مما جعل الله عز وجل أصله التحريم من ذلك النكاح, ويسميه الفقهاء الأبضاع, الأصل في الأبضاع التحريم, وذلك صيانة للأعراض, وقد يقال: إن الأصل في الأبضاع الحل من وجه, والأصل في الأبضاع التحريم من وجه, أي: أن الأصل في الأبضاع الحل إذا استحلها الإنسان بما أحلها الله له, ولهذا إذا أردنا أن ننظر إلى ما أحله الله عز وجل للإنسان من الأبضاع فلا يوجد شيء من الأبضاع محرم على الإطلاق, وإنما بحاجة إلى استحلال, وذلك بتوفر الشروط وأركان النكاح, وأما المحرم الدائم على الإنسان فهي أشياء معدودة من مباح عام, ولهذا نستطيع أن نقول: إن الأبضاع الأصل فيها الحل من هذا الوجه, والأصل فيها