وأما الاستدلال بالتدرج في هذا، فنقول: إن التدرج في ذلك إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان في بلد كفر, قبل أن يستقر له نظام، وبهذا نعلم أن المسلمين إذا كانوا في دار حرب أو في دار كفر فإنهم لا يقيمون الحدود على من خالف منهم؛ كحال الذين يجاهدون في الثغور، أو الذين يستولون على بعض البلدان التي لا تعرف من الإسلام شيئًا، أو يعرف آحادهم الإسلام، فنقول حينئذ: ليس لهم أن يقيموا حدود الله فيها حتى يعلموا الناس حكم الله في هذه الأفعال، وذلك أنه لا يناسب أن الإنسان يقيم حكم الله عز وجل على أناس لا يعلمون أن القذف محرم، أو الزنا محرم، أو أن شرب الخمر محرم، حتى يبين لهم الإنسان ذلك، ثم إذا بين لهم ذلك أقام عليهم الحدود، فالتدرج حينئذ هو بفعل الحاكم والنص لديه محكم، فلم يكن ثمة تبديل، وذلك يختلف عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بمكة لم يكن لديه الحكم تامًا من ربه، ولم يؤجله، ولو كان لديه الحكم تامًا لم يسع النبي صلى الله عليه وسلم إلا الحكم بما أمر الله عز وجل به، ولكن الله أجله بعد ذلك حتى تستقر دولة الإسلام، فيكون الخليفة والوالي خليفة لله سبحانه وتعالى في الأرض، فإذا ولي بلدًا أو كان في بلد لا تقر بشريعة الله سبحانه وتعالى جملة وتفصيلا، فإنه لا يقيم فيهم الحدود حتى يعلمهم حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا يتشبث به ويقيمه من عمل بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيام بالدعوة، لا أن يستولي أحد من المسلمين على بلد من البلدان فيعطل دعوة المسلمين بعد دعوة المشركين إلى الإسلام، وبيان حكم الله لهم، ويعطل حكم الشريعة أيضًا بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم على بلد، فعطل الأمرين معًا، فهذا قرينة على اتباع الهوى لا التدرج في أحكام دين الله، ولهذا نقول: إن التدرج الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه في إنزال الوحي ينبغي أن