والذي يظهر -والله أعلم- أن عدم إقامة الحدود في دار الحرب هو الأرجح؛ وذلك لمجموع ما جاء عن عمر بن الخطاب، كذلك للتعليل القوي في ذلك، وذلك أن الإنسان إذا كان في دار الإقامة وكان حاكمًا فرأى مصلحة بتأجيل الحد جاز له ذلك، وذلك كالمرأة التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي حامل فأجل الحد عليها، ثم جاءت بعد ذلك وهي مرضع فأجل الحد عليها، وهذا في حال الإقامة لمصلحة المرأة وابنها، مع أنه يمكن أن يوجد للمولود مرضع. ولهذا نقول إن مصلحة الإسلام في ذلك أعظم إذا كان الإنسان في جبهة القتال، فإذا خيف على الجاني أن يلحق بالمشركين لضعف إيمانه وهذا هو الغالب أن الإنسان لا يقع في أمور الحدود بشرب الخمر أو يقع في الزنا في حال الحرب ونحو ذلك إلا وفيه ضعف في إيمانه، ووجوده مع المسلمين في ذلك ينبغي أن يُتألف, خاصة إذا كان من اقترف ذلك في ذهابه كسر لشوكة المسلمين؛ كأن يكون قائدًا أو خبيرًا أو دليلًا خريتًا عارفًا بالطرق ونحو ذلك فربما كان في إقامة الحد عليه ولحاقه بالمشركين أذية بأهل الإسلام، فنقول حينئذ: إنه يؤجل أمره في ذلك، وقد كتب أبو عبيدة بن الجراح عليه رضوان الله في جماعة شربوا الخمر في غزوة, وممن شرب الخمر ضرار بن الأزور عليه رضوان الله وقال له: لا تقم علي الحد حتى أرجع فربما ألقى الله، يعني: ربما يكون وجودي في هذه الجبهة موضع للقتل, فلم يحده عليه رضوان الله، وقتل ضرار، ثم أقام الحد بعد ذلك على رجلين شربا الخمر، وهذا يرجع فيه إلى مصلحة قائد الجيش وقائد المسلمين، ومصلحته في ذلك ينظر إذا كان الإنسان من أهل الإيمان والثبات في هذا فإنه حينئذ يقام عليه الحد, وإذا كان ممن تضعف حاله ونحو ذلك فإنه يؤجل عليه الحد، على قول جماعة من العلماء, وهو قول الإمام أحمد و إسحاق.