فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 1575

قال: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:187] , هذا فيه إشارة إلى أن الحكم الشرعي إنما جاء بعد استقرار أمر التحريم, وذلك أن الله عز وجل خاطب عموم الناس بما في نفوسهم, وقوله جل وعلا: تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:187] , إشارة إلى أصل اللفظ وهو: خان, والخائن في ذلك يستريب, وهو أنه يتقدم ويتأخر, وذلك لدوافع النفس, إما للأكل والشرب وإما للجماع, وذلك أن الله سبحانه وتعالى إنما حرم الجماع نهارًا والنفوس تستطيع الإمساك عنه نهارًا؛ لأن موضع النهار هو موضع المعاش ومفارقة النساء والضرب في الأرض, من التجارة والرعي والسفر وغير ذلك, بخلاف الليل فهو موضع السكن والقرب, فتحريم ذلك فيه مشقة, وهو أقرب إلى فكر الإنسان؛ كحال الإنسان الذي يدنو من الطعام, أو يحبس مع طعام وهو صائم على سبيل الدوام, ففي ذلك ثقل عليه, أما إذا كان يملك المفارقة أو يغطي الطعام أو يستره أو يبتعد عنه أو نحو ذلك فإن ذلك أيسر, ومسألة الخيانة أخذت من أن الإنسان الخائن يريد أن يتقدم ويتأخر عزمًا على شيء؛ كحال الإنسان الذي يريد أن يتلصص على زوجته بالجماع, يتقدم ويتأخر, يعزم ثم يتذكر الحكم الشرعي ثم يرجع, ولهذا شبه ذلك بما يجده الإنسان في قلبه, فكان ذلك تيسيرًا ورحمة من الله سبحانه وتعالى. والذي يظهر والله أعلم أن هذه السياقات في قوله: أُحِلَّ [البقرة:187] , وفي قوله: تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:187] , أن هذه إشارات إلى أن التحريم ثابت, ولو كانت توهمًا لأزاله الله عز وجل وبين أن هذا الأمر ليس محرمًا, كما تقدم معنا في آية السعي بين الصفا والمروة, وذلك أن الله عز وجل رفع الحرج وما بين أنه أباح دفعًا للمشقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت