وجاء أيضًا عن مجاهد بن جبر و سعيد بن جبير و عكرمة و الحسن و قتادة و الربيع بن أنس و الضحاك و مقاتل وغيرهم من أئمة التفسير من السلف, وهي مسألة من مسائل الإجماع؛ على أن الفتنة في هذا الموضع هي: الكفر، وذلك أن الله عز وجل جعلها أعظم من القتل، والقتل هو أعظم الفتن بعد الكفر، وذلك أن الناس إنما كانت أموالهم فتنة لصدها عن مصالحهم، وإنما كانت أزواجهم وأولادهم للصد عن المصالح الدينية، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح لما نزل من منبره ورأى الحسن والحسين جاءا إليه في ثوبين يعثران بهما, نزل النبي عليه الصلاة والسلام من منبره فحملهما فقال: (صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة) ، والمراد بهذه الفتنة: هو أن الإنسان يضطرب ويقدم شيئًا حقه التأخير ولو بأمر دقيق، فالنبي صلى الله عليه وسلم لعظم مقام النبوة ودقة البصيرة التي لا يدركها الأولياء جعل اللحظات اليسيرة في تركه الخطبة والإتيان إلى الحسن والحسين وحملهما هذا شيء دقيق من معاني الفتنة، وذلك أن الإنسان ربما لا يتحمل أن ينصرف إلى أمر دينه من أمر العبادة ونحو ذلك، ويجد في قلبه إقبالًا على ابن أو إقبالًا على زوجة أو إقبالًا على مال أو نحو ذلك، فيفوت شيء من المصالح، وهذه معان دقيقة جدًا منها ما يدخل في أمور المباحات, ومنها ما يدخل في أمور المكروهات, ومنها ما يدخل في أمور المحرمات، ولما كانت هذه المعاني كلها من أمور الفتنة كان القتل, وهو: إزهاق النفس, فتنة أعظم منها، ولهذا الجوع فتنة؛ لأنه يفضي إلى القتل، فإذا كان الجوع فيه فتنة، فالقتل أعظم منه، والخوف كذلك، فالناس يخافون؛ لأن الخوف قد يفضي إلى إزهاق أنفسهم، ولو كانوا يعلمون أن الخوف يفضي إلى فقد مادة، ما وصل الهلع إلى نفوسهم بمثل هذا المقدار، فدل على أن الخوف مهما بلغ في النفوس فالقتل أعظم منه، لأن الناس لا تخاف من القتل إلا على أعظم أحوالها وهو القتل، وهو إزهاق الأنفس،