فلما كان القتل بهذه المرتبة جعل الله عز وجل الفتنة أشد من القتل وأكبر منه، وهو الكفر بالله سبحانه وتعالى، وإنما جاء هذا الأمر في هذه الآية وهي قول الله عز وجل: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191] ، بعد أن أمر الله عز وجل بالمقاتلة؛ وذلك أنه استقر لدى العرب أن القتال في مكة محرم, وهم مقبلون على قتال المشركين في مكة, ولما كانوا يجدون في نفوسهم حرجًا، أزال الله عز وجل ذلك الحرج بقوله: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191] ، يعني: إن كان القتل فتنة، فإن الفتنة العظمى هي الكفر، فإذا حضر الكفر فهو أعظم الفتن، ولهذا نقول: إن الفتن تتعدد فإذا حضر أعلاها سلب الاسم من أدناها، وذلك أن الكفر هو أعظم الفتن، وليس لأحد أن يقول: إني لا أريد أن أدخل الإيمان؛ لأنني أخشى أن أفقد مالي أو أفقد ولدي أو أُخرج من بلدي، نقول: هذه ليست فتن؛ لأن الكفر الذي أنت فيه هو أشد من ذلك كله، ولهذا الله عز وجل في هذه الآية قال: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191] ، فسلب من القتل اسم الفتنة، مع أنه فتنة؛ لوجود الكفر وهو أعظم منه، فجعل الأعظم في ذلك هو الفتنة، وما عداه يخصص باسمه الذي يسمى به بعينه، ولهذا لما كان الناس يخشون الافتتان من قتال وإزهاق النفوس في مكة بيَّن الله عز وجل له أن الذين تقاتلونهم كفارًا، وكفرهم أعظم من الفتنة التي تخشونها، فسلب الله اسم الفتنة عن القتل وجعله في الكفر، ولهذا نعلم إن أعظم التغيرات التي تطرأ على الإنسان وعلى المجتمعات هي إزهاق النفوس, وأعظم من ذلك كله هو الكفر بالله جل وعلا، وبهذا نعلم أيضًا أن انتشار الكفر والإلحاد وإظهار الشرك وكتب الكفر ونشرها أعظم من بيع السلاح في الفتنة، فإذا باع الإنسان كتاب كفر، أو روج لمقال في صحيفة أو في متجر أو نحو ذلك يُكفر به الله جل وعلا، فإن ذلك أعظم من بيع السلاح للقاتل ليقتل، ولهذا جعل الله عز وجل قتال