فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 1575

وأبو حنيفة رحمه الله يجعل ذلك منهيًا حتى في إقامة الحدود, ويجعل ما جاء في حديث أنس بن مالك في قتل النبي صلى الله عليه وسلم ابن خطل في أمر المحاربة، قال: وأما أمر المحاربة فهو داخل في أمر القتال الذي رخص الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام بالقتال فيها. وفي قول الله جل وعلا: فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:192] ، يعني: إن انتهوا عن قتال المؤمنين، ثمة أمر وهو من المسائل المهمة ودقائق معاني كلام الله عز وجل أن الله عز وجل يعلم الأحوال التي ستقابل المؤمنين في مكة، ومع ذلك أنزل الله عز وجل أحكامًا على سبيل التنوع، إن كانوا كذا فافعلوا كذا، وإن كانوا كذا فافعلوا كذا، وإن كانوا كذا فافعلوا كذا؛ لأن الأمر أمر تشريع, وإلا فإن الحكم الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو حكم لنازلة معينة جاء بلفظ عام، والقرآن إنما يأتي غائيًا وإن كان ينزل على مسائل معينة، ولهذا الله عز وجل قال: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191] ، مع أنهم ما واجهوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بمقاتلتهم إذا قاتلوا، فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:192] ، هذه الخيارات متعددة تشريعًا للأمة في أحكام قتال المشركين، وفي هذا أعظم دلالة على أن المؤمنين إذا جاز لهم قتال المشركين في مكة فإنه يجوز لهم أن يقاتلوا في غيرها إن اعتدوا عليهم من باب أولى، مع حرمة مكة التي من لاذ بها فإن له حرمة، ولهذا الله عز وجل أوجب على المؤمنين أن يقاتلوا المشركين إذا قاتلوهم ومنعوهم من حقهم، فإذا منع المؤمنون من حقهم في بلد غير مكة فإن الحرمة في ذلك معدومة، أو ناقصة، ولهذا نقول: إن الله عز وجل يوجب في ذلك إيجابًا أظهر مما لو كان الإنسان يقاتل المشركين في مكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت