أما ما يتعلق بالأشهر الحرم فنقول: لما انتفت العلة وانتفى السبب الذي منع لأجله، وأصبحت مكة في أيدي المسلمين فإنه لا يدخلها إلا مؤمن، وذلك أيضًا لو قلنا بتحريم القتال في الأشهر الحرم لأصبح المشركون يحتجون بذلك ويأتون مكة ويظهرون فيها الشرك ويحتجون بمنع القتال فيها, فأصبح ذلك بحاجة إلى المقاتلة؛ ولهذا نقول: إنه قد يجب على المسلمين أن يقاتلوا في الأشهر الحرم إذا قصد المشركون الإتيان إليها، على خلاف الحالة الأولى: وهي أن المؤمنين إذا قصدوا المسجد الحرام فلا يقاتلوا إلا من قاتلهم, فثبت الحكم حتى لدى المشركين, وأما حينما كان أهل الإيمان فيها وخرج منها أهل الشرك وجب على المؤمنين أن يقاتلوهم وأن يطلبوهم, ولهذا استقر الأمر على جواز القتال في الأشهر الحرم، ولهذا قال الله عز وجل: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5] ، يعني: في كل موضع, وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد أنزل آي الجهاد بالإطلاق في سورة براءة, فأصبح القتال محكمًا في كل يوم وفي كل شهر من أشهر السنة. الحالة الثالثة: وهي النسخ, فجاز القتال حينئذ بكل حال, وذلك لقوله سبحانه وتعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5] ، يعني: في كل موضع, وحكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء؛ كابن جرير الطبري و ابن المنذر , وكذلك ابن القيم و ابن تيمية , وغيرهم من الأئمة, ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينما اعتمر في العام السابع من الهجرة في شهر ذي القعدة وامتن الله عز وجل عليه بذلك فهنا ظهر النصر المعنوي على المشركين.