وفي قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] على من حمل هذا القول على الإتيان بسفرة مستقلة، حمل بعض العلماء هذا المعنى أن الأفضل في العمرة أن تكون في غير أشهر الحج، وذلك لأنه يفردها بسفر، وبعض السلف يجعل العمرة التي تكون في الحج غير تامة، فلا يسمونها عمرة تامة فإذا كانت في أشهر الحج، وهذا قد جاء عن قتادة، و القاسم بن محمد وغيرهم أنه قال: لا يسمون العمرة في أشهر الحج تامة حتى تكون في غيرها، يعني: ينشئها بسفرٍ مستقل، وهو محل اتفاق الأئمة الأربعة. ومن مواضع خطأ من يتكلم على مسألة الأنساك الثلاثة، وهي الإفراد والقران والتمتع، ثم يريد أن يفاضل بينها على الإطلاق على اختلاف الحالات، فهذا من مواضع الخطأ، إذ لا نستطيع أن نقول: إن الإفراد أفضل، ولا نستطيع أن نقول: إن التمتع أفضل، ولا أن نقول: إن القران أفضل، بل نقول: إن القران أفضل لمن ساق الهدي، وإذا لم يسق الهدي، وليس له الإتيان إلى المسجد الحرام إلا سفرة واحدة فالتمتع في حقه أفضل. وقد يقول قائل: إذا كان ليس له إلا سفرة واحدة، فلماذا نقول: التمتع في حقه أفضل مع إمكانه أن يأتي بالحج في هذه السفرة مفردًا، ثم بعد ذلك يأتي بالعمرة كحال عائشة عليها رضوان الله حينما كانت حائضًا، ومنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطواف في البيت، فكانت في ذلك قارنة ثم جاءت بالعمرة بعد ذلك. فنقول: العلماء يتفقون على أن من جاء بالعمرة والحج في سفر واحد، ثم جاء بالحج مفردًا، ثم جاء بالعمرة بعد قضاء مناسك الحج نقول: إنه ليس بمتمتع وليس بقارن باتفاقهم، وإنما هو مدرك لفضل الإتيان بالعمرة في أشهر الحج على من قال بفضل العمرة في أشهر الحج في الحج، وعلى هذا مما تقدم في مسألة الإتيان بالمناسك نقول: إن الأنساك تتباين بحسب الحال، فلا يوجد فضل لنسك على آخر بإطلاق، وإنما على اختلاف الأحوال.