وفي هذا إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى أراد بعباده خيرًا من جهة الانتفاع في دنياهم، وأراد بهم صرفًا عن السوء، وذلك أن الناس إذا لم ينشغلوا بالمباح انشغلوا بالمحظور، وذلك أن مجامعهم في أسواقهم كعكاظ وكذي المجاز وغيرها، فإنهم إذا لم ينشغلوا بالتجارة انشغلوا بالأشعار وما فيها من مدح محظور غال أو سبٍ وهجاء، وهذا من عادة العرب في مجامعهم، وذلك في أسواقهم كعكاظ وذي المجاز، والمشعر الحرام، وعند رمي الجمار، ويأتي الإشارة إليه، فإنهم كانوا يعتادون ذلك، والله عز وجل أباح لهم التجارة في أمثال هذه المواضع، بل في ذلك تضمين للحض عليها لمن استطاعها، ولهذا سمى الله عز وجل ذلك فضلًا: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198] ، فسمى الله عز وجل التجارة والمضاربة في الحج من الفضل، من الله سبحانه وتعالى. والمراد بالابتغاء هنا: أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198] هو الالتماس، التماس الحاجة من الله سبحانه وتعالى، وجاء عند ابن جرير من حديث أبي أمامة التيمي عن عبد الله بن عمر أنه قال لمن سأله عن التجارة في الحج، قال: ألستم تقفون معنا بعرفة، وفي المشعر الحرام، وترمون الجمار وتنحرون، وتحلقون؟ قالوا: نعم، قال: فإذًا: لا حرج عليكم وأنتم حجاج، يعني: أن تلك الأفعال لا تسلبكم صفة الحج، ولهذا الذين يؤاجرون أنفسهم بشيء من التجارة، أو ربما يذهبون بمهمات عمل كرجال الأمن، أو رجال الصيانة والنظافة، أو الطب وغير ذلك، ممن يكونون عونًا للحجاج، فيكون عملهم في ذلك جمعًا للوظيفة والعبادة، فهذا من الأمور المباحة التي لا تخرم للإنسان عملًا.