ولماذا قيدناه بحال عدم قدرة المسلمين على الدفع، وعدم قدرة المسلمين على الطلب هذا قدر زائد، فإذا قوي المسلمون على دفع وصد عدو صائلٍ عليهم فلا يجوز لهم المسالمة، وفي حال عجزهم حتى عن المدافعة وهذا في أحوال ضيقة، نقول لهم: يجوز لهم أن يطلبوا السلم، ولما كان النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه من أصحابه قادرين على الدفع ما جاز لهم أن يسالموا إلا أن جنح الناس للسلم فإنهم يجنحون له، ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره الله عز وجل في موضع أن يسالم أحدًا، وإنما يقبل المسالمة عند عرضها عليه عليه الصلاة والسلام. الحالة الثانية: نقول: في حال قوة المسلمين فإذا قوي المسلمون على الحالين، على الدفع أو على الطلب حرم عليهم السلم؛ لأن وجود العداوة بين المشركين وبين المؤمنين مطلب؛ لأنها عداوة دينية، ثم إن أصول الإسلام من مسائل العقائد، وغيرها من الحفاظ على عقيدة الولاء لأهل الإيمان، والعداء لأهل الشرك، وغير ذلك، كذلك أيضًا المفارقة بين أهل الإيمان، وبين المشركين لا يمكن أن تتحقق وبين المسلمين وبين غيرهم سلم دائم؛ لأن السلم الدائم يضعف تماسك المسلمين فيما بينهم، وإذا كانت العداوة قائمة، ولو لم يكن ثمة حرب كان أهل الإسلام على يد واحدة، ويتعاضدون فيما بينهم، ولو لم يتعاضدوا فعلى أقل أحوالهم يؤمنون بوجود عدو خارجًا عنهم وهم المشركون، ويتربصون بهم الدوائر.