وكذلك أيضًا في قول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح، قال: (وإسباغ الوضوء على المكاره) ، يعني: أن الإنسان يكره مثل هذا الشيء، وكرهه في ذلك هو كره طبعي، ولكن هذا الكره ينبغي ألا يجعله حكمًا على النص، وفي هذه الآية دليل على أن طبع الإنسان ينبغي ألا يحكم الحكم وألا يجيره، بل ينبغي أن يكون الحكم غالبًا على الطبع، وذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل طبع الإنسان ينفر من بعض الأفعال لذاتها، ويجهل لوازمها وتوابعها، ولو علم اللوازم والتوابع والمآل لأحب الكره العادي، فحينئذٍ يكون كره الإنسان ومحبته إنما كانت لقصور إدراكه الغاية، وحال الإنسان من جهة إدراكه، وكذلك معرفته يؤثر فيه العاجل أكثر من الآجل، ولهذا الإنسان يحب العاجل من المال أكثر من الآجل ولو كان كثيرًا، ولهذا كثير من الناس يأخذ الربا يحب مالًا عاجلًا ولو كان الغرم أكثر آجلًا؛ لأن الإنسان يحب العاجلة ولو كان في عاجلة الدنيا، وهذا أمر معلوم، ولهذا ربما أشبع الإنسان غريزته، ولو كانت عاقبته كرهًا عليه في دنياه، ولهذا تجد الناس كثيرًا ما يسرقون ويعلم أنه يعاقب، ويشرب الخمر وهو يعلم أنه يعاقب، وإذا عوقب ندم على ذلك، وذلك للفارق بين معلوم العاجل ولذاته وبين ما كان بعيدًا من أمور الآجل، وهذا فيه إشارة إلى الرد على المدرسة الفكرية والفلسفة العصرية التي تحيل الإنسان إلى ذوقه وحسه، فيقولون: إن الأمر من جهة وجوبه ورفضه يرجع إلى حب الإنسان له وكرهه له، فهؤلاء لا يفرقون بين الكرهين وبين المحبتين، والكره الفطري والكره الشرعي، ويجعلون الكره الفطري هو الغالب، ولكن في الشريعة يجعل الله عز وجل الكره الشرعي هو غالب على الكره الفطري، وكذلك أيضًا ما كان محبة شرعية غالبًا على المحبة الفطرية، ولهذا يحب الإنسان طعامًا وهو محرم، ويحب شهوة وهي محرمة، ويحب ملبسًا كالحرير وهو محرم عليه، ولهذا جاءت الشريعة بما أحبه الله له من الترك أولى من حبه من