الشريعة وصفت بالإحكام، والله عز وجل يقول في كتابه العظيم: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1] فهذه الآيات أحكمت أحكامًا، والمراد بالإحكام في قول الله جل وعلا في هذه الآية، أحكمت الآيات يعني: الآيات بتناسقها جاءت محكمة بما يتوافق مع فطرة البشر كثرة وقلة، وأحدهم قال: أريد حديثًا على شرط البخاري و مسلم بتحريم إتيان المرأة من دبرها، وهذه من المسائل لماذا لم يرد فيها نص؟ ائتني بنص في تحريم البول، لا يوجد نص في هذا، لماذا لم يأت نص بتحريم البول وجاء في تحريم الخمر؟ الجواب: لأن النفوس البشرية بطبيعتها تنفر من هذا فليست بحاجة إلى إيراد نص، ومن قال بجوازه في ذلك لديه خلل فطري في هذا، ولهذا نقول: إن الشريعة تأتي بحسب دوافع النفس الأمارة بالسوء، وبحسب ما يأتي من شياطين الإنس، وذلك كحال الإنسان مثلًا لديه منديل أو لديه قطعة قماش أو نحو ذلك موجودة أمامه، إذا وجد ريحًا خفيفة كريح المروحة أو نحو ذلك يضع شيئًا خفيفًا، وإذا وجد ريحًا قويًا جدًا يضع حجارة لتثبيتها، ولهذا نصوص الشريعة من إحكامها لو أن شخصًا مثلًا جالس في مكتبته ولديه ورقة، ثم جاء بحجارة ووضعها على الورقة، هذا ليس إحكامًا، هذه الورقة هي الفطرة، وما يجتالها هي النفوس، هي الهواء الذي يطرأ على الإنسان، قد يكون يسيرًا فلا يحتاج إلى نص ثقيل بل يحتاج إلى شيء يسير، فلهذا يأتي نص خفيف جدًا؛ لأن النفس لا تحتاج إلى الإكثار، فهي تعرف هذا الشيء، ولهذا عامر بن شراحيل الشعبي لما سئل عن أكل الذباب قال: إن اشتهيتها فكلها، يعني: إذا نقص لديك مستوى النفس وضعف لديك هذا الأمر يعني: أن الفطرة والعقل لديك ضعيف، واستيعابك للنص لو ورد سيكون ضعيفًا، ولهذا يضعف لديك إدراك الحكم الشرعي مع ضعف النفس والهوى، ولهذا لا يكاد يوجد شخص ينظر إلى المسائل التي تعافها النفوس وتنفر منها، ثم يطلب لها دليلًا إلا ونفسه مبدلة، ولديه من ظلم النفس ما هو أعظم من ذلك.