ولهذا يقول الله عز وجل لكفار قريش مبينًا حالهم في ذلك: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة:19] ، يعني: أنكم أشغلتم أنفسكم، وأطفأتم اللوم الذي تجدونه من تقصير بسقاية الحاج، وكذلك سدنة المسجد الحرام وعمارته وتشييده وحمايته، ولكنكم كفرتم بالله عز وجل، ولم تجعلوا للإيمان بالله عز وجل وزنًا، وجعلتم ذلك مقدمًا على غيره، وهو الإيمان بالله، وكذلك الجهاد في سبيل الله. ولهذا نقول: إن الإيمان بالله أعظم من عمارة المساجد؛ لأن المساجد ومنها أعظم البيوت وهو المسجد الحرام لا يمكن أن تقام فيه العبادة على الحقيقة إلا بالإيمان بالله، وإلا لأصبح في ذلك الشرك، كذلك أيضًا نقول: إن الجهاد في سبيل الله أعظم من عمارة بيوت الله، وأعظم عنده من إطعام الطعام وسقاية الحاج؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق سقاية الحاج وحماية المسجد الحرام إلا بالجهاد في سبيل الله، ولا يمكن أن تقوى شوكة المسلمين، ويكون لهم في ذلك قوة وبأس وهيبة ورهبة في قلوب أعداء الله إلا بالجهاد في سبيل الله، وإلا لقطع المشركون والضلال من أهل الكتاب على المسلمين الطريق والسبيل، ولم يكن ثمة حرمة حينئذٍ، ولم يكن ثمة بذلك نفع في عمارة المسجد الحرام، ولا في سقاية الحاج، ولهذا نقول: إن الجهل الذي تقدم وهو على نوعين، وهو جهل حقيقة الشيء وحكمه.