إذًا: الله عز وجل إنما قدم السؤال بقوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة:219] إشارة إلى توطين الفطرة التي وجدت في نفوسهم، فلما كانوا يستنكرون الخمر والميسر سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم ذلك، وأن الحكم الذي أراد الله عز وجل بيانه لم يكن موضع تسليم عند سائر الفطر، ولهذا الله جل وعلا قدم في جملة من المواضع عن الأسئلة الواردة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كل بحسبه، وأظهر الأسباب في ذلك في هذا الموضع أنه لما كان الخمر والميسر محببًا لديهم، وأشربوا من جهة التعامل في ميادينهم ودواوينهم ومجالسهم، وكذلك دخل كثيرٍ منهم إنما هو من الميسر، فأشربوا في ذلك، كما جاء عند ابن جرير الطبري وغيره من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس أنه قال: (كان الرجل يقامر صاحبه على ماله وأهله وولده) ، يعني: على المال والزوجة والولد، يقوم بالمقامرة، فإذا غلب أحد غيره سار بأهله وماله وولده، وبقوا على هذا الأمر، وهذا التعامل الذي بقوا فيه واستمروا عليه بحاجة إلى بيان حكمه، وبيان ذلك إخراجه منهم استنكارًا هذا أدعى إلى قبولهم وإنصاتهم، وأن الشريعة ما جاءت منفردة بتكليفهم، وإنما هم بادروا باستنكار ذلك. وهذا من أساليب توطين الناس على أحكام الله عز وجل أن الناس يستنكرون هذا، وأن الفطر الصحيحة تستنكر ذلك، وهذا يظهر في جملة من السياقات التي يأتي الكلام عليها، وذلك في قول الله عز وجل: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة:219] ، يعني: أن هذه الأمور موجودة من جهة الاستنكار لدى الناس، وأن الإقرار بوجود الميزان بالخير والشر موجود في نفوس الناس، ولهذا ذكر الله عز وجل أن الإثم في ذلك أعظم من النفع. والقمار والخمر هي من كبائر الذنوب، فمنها ما يتعلق بالتعاملات، وهو القمار والميسر، ومنها ما يتعلق بالطعام والشراب وهو الخمر.