فهرس الكتاب

الصفحة 640 من 1575

من هذه المصالح في عدم تحريم الخمر والميسر على سبيل القطع وإنما جاء ذلك على سبيل التدرج: هو تكثير سواد أهل الحق وتقليل سواد أهل الباطل، الناس في الإيمان يتباينون، كما أن الصحابة عليهم رضوان الله يتباينون من جهة الصحبة، منهم الكمل، ومنهم دون ذلك، وإن اشتركوا في دائرة الفضل، ولهذا نقول: إنهم ليسوا في مرتبة واحدة، وإن كنا نقر بفضلهم على من جاء بعدهم، فهم بالمنزلة والمرتبة العلية، وفيهم من كان من المنافقين ممن دخل في صفهم وهم قلة، وفيهم من الأعراب الذين هم على بعدٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى قلة بمخالطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونالهم شيء من ذلك العمل، وهذه الآية ترفع قوي الإيمان منهم عن الإقلاع، وذلك تكثيرًا لسواد أهل الحق، فيقلعون ويبقى قلة، حتى إذا جاء التحريم لم يجد من كان ضعيفًا في ذلك من يؤازره ممن هو أقوى منه فيعتضد به، وهذا فيه من السياسة الشرعية أنه ينبغي للإنسان في حال التشريع والتعامل مع الناس أن يحرص على جلب العلية وأهل الإيمان إليه ليؤازروه عند الأمر الشديد، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن لهم أمر الله عز وجل ابتداءً بأن الخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وأن هذه المنافع تتباين من جهة مقدارها مع تلك المفاسد والآثام التي جعلها الله عز وجل في هذين الأمرين. كذلك من المسائل المهمة في هذا: أنه ينبغي في حال إنكار المنكر الذي يستوطن عليه الناس ويتشربوه ألا ينفي الإنسان المصالح أو المنافع فيه جملة، قد يقول قائل: في بعض الدول الربا ينتشر، وتوطن الناس عليه من جهة التعامل، أو غيب عنهم ذلك أو نحو ذلك، ويقولون: إن المعاملات الاقتصادية والدولية لا تكون ولا تستقر إلا على التعامل بالربا ولو بشيء يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت