ونفي ذلك كله يعني: أن من يقابل ذلك الدليل يجب أن يغيب عن تلك المنفعة التي يراها بعينه، وهذا يدفعه إلى تسفيه الحجة التي تأتي بها؛ لأنك تغلق شيئًا يراه، بيّن له أن ما تراه صحيحًا، ولكن ما خفي عليك أعظم، وهو تحريم الله عز وجل لذلك، وهذا يظهر كثيرًا فيما يتعلق بتعاملات الناس في الأمور المحرمة، ولهذا مع كون الخمر هي أم الخبائث إلا أن الله سبحانه وتعالى قال فيها: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة:219] ، يعني: أن المنافع موجودة في أسواقكم، موجودة في أموالكم من جهة المضاربة، فإنهم يضاربون في ذلك، فيستعملون التمر ويخمرونه، وكذلك العنب ويخمرونه، والدباء وغير ذلك من الأطعمة، ويتاجرون في ذلك، فهذا فيه شيء من المنافع، أقر بوجودها الشارع، ولهذا نجد أنه بعد توطين الشريعة وظهور الأدلة لا وجود لذكر هذه المنافع على الإطلاق؛ لأنه يجب أن تلغى، ولهذا ينبغي لنا أن نفرق بين المجتمعات، والمجتمعات على نوعين: مجتمعات توطنت وتشربت شرًا من الشرور حتى أشربت في قلوبها من جهة العمل والتعلم، فهذه تختلف عن غيرها، هذه تؤتى من جهة الخطاب على سبيل التوطين، ويبين أن ما يقرون به من مصالح صحيح، ولكن من المفاسد ما خفي عليكم ينبغي أن تعلموه فتبين تلك المفاسد، ومجتمعات إسلامية ظهر فيها حكم الله عز وجل، ووجد من ينازع في أمر الشر وهم قلة، وهؤلاء لا يبين معهم منافع الخمر ولا منافع الربا ولا منافع الميسر وغير ذلك، ولهذا نجد أن النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إنزال هذه الآية ما جاءت في ذلك إلا ببيان حرمة الخمر قطعًا والتشديد في ذلك، وجعلها من الموبقات كما جاء في حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، يعني: المهلكات، فيه خطاب وتشديد، وهذا يختلف من حال إلى حال، ولهذا نقول: إنه ينبغي للداعي إلى الله، وينبغي للمعلم أن يفرق بين مواضع المتلقين بحسب