وضعوا تجارب على الفئران وعلى البشر وعشرين ومائة من الناس ونحو ذلك، ثم خرجوا بأن هذا المشروب يضر الإنسان، فمثل هذه الأمور تحتاج إلى سبر قبل أن تصل إلى النتيجة الذين ماتوا قبل وصولك إلى هذه النتيجة في عدم إدراك الضرر من ذلك ما حكمهم؟ هل الإنسان لديه قدرة أن يسبر كل ما في الكون إلى قيام الساعة من تسلسل الأضرار، وتركيب بعضها على بعض حتى يؤمن بالنتيجة؟ ثم إذا أدرك قبل ذلك بعد عشر سنوات وعشرين سنة ما حكم عمله قبل ذلك، هل يدخل في دائرة التأثيم أو لا يدخل؟ والضر الذي لحق الناس بذلك؟ ولهذا قضى الله عز وجل على الناس أن يؤمنوا بما أحل الله وما حرم الله، ما أحله أنه لا يكون إلا خيرًا، وما حرمه لا يكون إلا شرًا، ولكن الإنسان عاجز عن سبر أحواله وقرائنه أن يخرج بنتيجة تؤدي إليه إلى ما أمر الله سبحانه وتعالى، ولهذا القصور إنما هو في عقل الإنسان. وهذا ظاهر ما ينبغي للإنسان بمعرفة ميزان عقله وإدراكه وما جعله الله عز وجل له، الله عز وجل لم يعطل العقل بالكلية، ولكن جعل له حدًا، للإنسان بصر، ولهذا البصر حد ليس له أن ينفي ما كان خارجًا عنه، وله سمع ليس له أن ينفي الأصوات التي لا تصل إليه، كذلك من جهة حسه وعقله ليس له ألا يؤمن بما لا يستوعبه عقله، وإذا نفى جدوى ونفع وضر ما لا يؤمن به العقل ولو أمر الله عز وجل به فهذا يناقض الفطرة البشرية، فإن الناس يسمعون شيئًا لا تسمعه، ويرون شيئًا لا تراه، فعلى هذا يكون الحقيقة تتجزأ، تنتفي في موضع وتوجد في موضع آخر، وهذا لا يجري لا على المنطق ولا على العقل. ولهذا نقول: إن الإنسان إذا أذعن بعلم غيره، إذا أخبره بما لا يدركه من مسموع أو مبصر أو محسوس أو مدركٍ بالعقل، فعليه أن يؤمن أن الله عز وجل إذا أخبره بأمر فهو على علمٍ تام كامل لا يخالجه في ذلك نقص أو قصور، فيجب عليه أن يذعن وأن يسلم لأمر الله سبحانه وتعالى.