وفي هذا إشارة إلى أن الخلطة مع أهل الملل الضالة والمنحرفة تغرس في ذلك أثرًا وتقليدًا في نفوس الناس، مع أن أهل المدينة الأصل فيهم الوثنية إلا أهل الكتاب من اليهود، وهؤلاء تأثروا بشيء منهم، وكانوا من الأوس والخزرج وأضرابهم من أهل المدينة كانوا يعبدون الأصنام، وأهل الكتاب بينهم، ويتأثرون بشيء من أحكامهم وعبادتهم، وتسلل منهم شيء في ذلك؛ لأن اليهود هم أصحاب كتاب وتشريع بخلاف الوثنية ليس لديهم تشريع، وإنما هو انحراف طرأ عليهم عن الحنيفية، ولم يكن لديهم كتاب يجددون به دينهم، ولو كان محرفًا، أما بالنسبة لليهود فلديهم كتاب يقرءونه ويتلونه ويعلمون أنفسهم ومن حولهم، وربما تأثر بهم من الأوس والخزرج أقوام، وهذا من المسائل التي تأثر بها أهل المدينة باليهود. وأما بالنسبة للنصارى كما تقدم، فإنهم يجيزون مجامعة الحائض، أما بالنسبة لليهود فإنهم لا يقربونها، وأما في قول الله جل وعلا: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222] حينما بين أذى الحيض، وفي ظاهر السياق الموافقة على نجاسة الحيض كما كان عليه أهل الكتاب، ولكن الأمر فيه جاء على التفصيل، فلا يكون ذلك مفارقة تامة، فيظن الإنسان أن بدن الحائض نجس في ذلك، وإنما جاءت الشريعة بتفصيل ذلك، فبين الله سبحانه وتعالى نجاسة الدم ابتداءً، ثم أمر باعتزال النساء في المحيض، وهذا يظهر منه صفة السؤال الذي ورد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن السؤال إنما ورد إلى النبي عليه الصلاة والسلام إنما هو عن مواقعة، فجاء الأمر هنا لا فيما يتعلق بمماسة بدن المرأة، وإنما بمواقعتها، فقد جاء عند ابن جرير الطبري وغيره من حديث خصيف عن مجاهد بن جبر أن الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إتيان المرأة، وهي حائض، فأنزل الله عز وجل عليه قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة:222] .