فهرس الكتاب

الصفحة 845 من 1575

وكذلك فإن من القرائن في هذا: أنه لم يثبت عن أحدٍ من الصدر الأول من النساء، أن امرأةً ثيبًا أو بكرًا زوجت نفسها، ولا يعرف هذا إلا في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50] ، فجعلها الله عز وجل خالصةً له؛ ولهذا قال غير واحد من المفسرين كقتادة كما روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير في آية الأحزاب، من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قال: هي خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من دون الناس، فلا تزوج المرأة نفسها، وإنما أذن الله عز وجل لنبيه ورخص له ذلك من دون المؤمنين، لأن أصل الولاية التي تكون لدى الولي في إنكاح الزوجة أن ذلك لمقاصد ولعلل، ومن هذه المقاصد: المصلحة ورعاية أمر الزوجة، ورعاية أمر الزوجة أن المرأة في غالب أمرها لا تعرف أحوال الرجال من جهة صدقهم وكذبهم ومروءتهم، وكذلك أحوالهم من جهة الخلق، وكذلك المال، وكلام الرجال عنهم والناس ونحو ذلك، فهو أعلم في هذا الباب وأرعى، فالمراد بذلك هو مصلحة الزوجة. ومن المصالح الشرعية في أمر الولاية: دفع الشبهة والتهمة عن أمر السفاح والنكاح، فإذا كانت المرأة تزوج نفسها، فالفرق بين تزويج المرأة لنفسها برضاها عن الزواج الذي يكون بعقد بين المتراضيين، والزنا الذي يكون بين رضا الطرفين يكون في ذلك تواطؤ، فأرادت الشريعة أن تحفظ هذا الأمر من دخل النفس ودواخلها، وشهوة النفس وتوطين الشيطان لأمثال هذا بشيء من ظواهر رخص الشريعة في ذلك، فأرادت الشريعة إدخال الولي في هذا الباب دفعًا للتهمة، وللشر الذي يكون بينهما. كذلك فيه صيانة للعرض وصيانة للذرية والولد وغير ذلك، وهذا أمر ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت