فهرس الكتاب

الصفحة 856 من 1575

وفي هذا إشارة إلى مسألة مهمة وهي: أن علل الشريعة وأحكامها ينبغي ألا تكون محل غلو بالبحث، فإن ذلك يضعف جانب التسليم، وذلك أن الإنسان إذا أراد أن يبحث في كل حكمٍ علة، فإنه حينئذٍ يتوقف عند المسائل التي لا يجد فيها علة ويضعف انقياده لها، ولهذا الصحابة عليهم رضوان الله إنما بلغوا ما بلغوا من مرتبة العلو في الإيمان، وبلغ أبو بكر مرتبة الصديقية؛ لأنه لما تيقن بصدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه سلم بما يأتي به، علم العلة أو لم يعلمها، وقد توسع في هذا الباب كثير من الفقهاء والأصوليين بالبحث عن العلل والتوسع في ذلك، والتوسع في علل لم ينص عليها الشارع، وأوغلوا في ذلك، وبعد إيغالهم في هذا أوجدوا عللًا ليست منصوصة مستنبطة، ثم قاسوا على هذه العلل المستنبطة، ثم بعد ذلك أصبح القياس ضعيفًا، فإذا بهم يكتشفون ذلك بعد جيل أو جيلين، وهذا يظهر في كل علة مبحوثة ليست مستنبطة، يظهر ضعفها ولو بعد جيل، ولهذا نجد في مسألة النهي عن الأكل في آنية الذهب والفضة ولبس الرجال لها، بعض الفقهاء يعلل بعلة يقول: إن الشارع إنما نهى عن ذلك بسبب حاجة الناس إلى النقدين، فنهى الشارع عن ذلك، وهذه العلة في الشريعة ليست منصوصة بتمامها، وواجب على الناس التسليم، فإذا أخذنا هذه العلة وثبتناها كما يشير إلى هذا بعض الفقهاء من الشافعية والمالكية، فإن العلة إذا كانت لديهم مقام النص، فعليهم بعد استغناء الناس عن النقدين من الذهب والفضة كما في زماننا من جهة الورق، فتضعف تلك العلة، ويجوز للإنسان أن يأكل في آنية الذهب والفضة، وكذلك للرجال أن يلبسوا حلي الذهب والفضة، ولانتفاء العلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت