وقد توسع في هذا، ألف الحكيم الترمذي رسالة في العلل، وليس العلل في الحديث، ولكن في علل الأحكام، وتوسع توسعًا كثيرًا في أمور العبادات، فجاء في أمر العبادة حتى العلة في وضع الأصابع في الصلاة، ووضعها في الصدر ما هو العلة؟ والركوع ما هي العلة منه؟ واعتدال الظهر وغير ذلك، مبالغات طويلة وعريضة، وهذه العلل لم تكن منصوصة في الشريعة، ما نصت عليه الشريعة فيأخذ مسلم به وما لم تنص عليه يأخذه الإنسان استئناسًا، ولهذا الله جل وعلا اكتفى بالإجمال هنا: ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:232] ، يعني: مهما بحث الإنسان من علل فلن يدركها ولو أدركها لاستنكرها؛ لأن الله عز وجل يقلب الأحوال ويغيرها، وربما تنقلب الحال من حال إلى حال، ولا يدرك الإنسان أن هذه يمكن أن تكون بمثل هذا، فالذي جعل شجر الحنضل مع مرارته إذا تناولته البهيمة خرج لبنًا صافيًا لحكمة وقدرة إلهية، فالله جل وعلا يخرج من الأعمال آثارًا لا تخطر في بال الإنسان، ولهذا أمر الله عز وجل الإنسان بالتسليم، بيَّن له الحكم، وبين له الأثر الذي عليه، هو الزكاء والطهارة، أما العلة فتوقف؛ لأنك لا تدرك مثل هذه الأمور، وربما كان الإضمار للعلة فيه إفساد بين الولي وموليته، فربما من العلل من أمور الفساد ما لو ذكره الله عز وجل لأخذ الولي ابنته بالظنة، ربما تفسد أو ربما تفجر، أو نحو ذلك، فجاء الله عز وجل بهذا الإجمال الذي يشمل جميع المصالح الشرعية ويدع في ذلك المفاسد، وكفى بذلك غاية وحكمة. ونفي العلم هنا وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:232] ، أي: أن العلة الموجودة في هذا الحكم لا تدركونها ولا يمكن أن تدركوها، ولو توسع الإنسان وأدام النظر، والتأمل فلن يصل إلى ما بينه الله سبحانه وتعالى، وما يعلمه الله جل وعلا من أحوال وتقلبات. أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة.