ثم توجه الله سبحانه وتعالى بالخطاب هنا إلى الأزواج، وعلق الحكم بهم، وفي هذا إشارة إلى أن الذي يعتد في وفاة الآخر إنما هي الزوجة لا الزوج، وأن المرأة هي التي يكون عليها الحداد على زوجها بعد وفاته، وأنه لا يجوز للرجل أن يحادد على أحد إلا ما جاء الدليل فيه، فيما كان دون ثلاثة أيام، وهذا ليس معلقًا بالزوج وإنما هو معلق بالمرأة، أنه يجوز لها أن تحد على وفاة أبيها في يوم أو يومين، ولكن لا يجوز لها أن تزيد على ذلك، وأما الرجل فلا يجوز له ذلك بحال، لأنه يناقض الفطرة التي أوجد الله عز وجل عليها تركيبة الرجل من جهة الخروج والنفقة والمئونة والكسب وغير ذلك، بخلاف المرأة فالأصل فيها القرار، فجاء ذلك موافقًا لأصل الفطرة التي جعله الله عز وجل لها، فكانت هذه العدة من جهة الأصل متوجهة إلى أمر الزوجة لا إلى أمر الزوج. ثم أيضًا من رحمة الله عز وجل بالأزواج: أنهم لا يعتدون بوفاة أزواجهم، وذلك أن الرجل إذا كان عنده أربع ثم متن تباعًا فإنه يمكث في ذلك زمنًا طويلًا، يخرج من عدة واحدة إلى أخرى، فكان ذلك من رحمة الله عز وجل أن علق ذلك بالمرأة باعتبار أنها تنكح زوجًا واحدًا، بخلاف الرجل فإنه ينكح من ذلك نساءً، وهذا انتظام أمر أحكام الشريعة واتساقها وإحكامها، فجاءت محكمةً من جميع الوجوه، لا من جهة التزويج والفطرة، ومن جهة العدد، فكان ذلك تيسيرًا ورحمةً بالخلق.