لماذا شدد الله سبحانه وتعالى وحسم أمر المهر إذا كان مقدرًا بالنصف, وجعل أمر المهر إذا كان مفوضًا وليس بمقدر جعله إلى الزوج على حسب حاله؟.العلة التي تظهر لي في هذا, أن الزوج إذا لم يضرب للمرأة مهرًا معلومًا, فهذا يعني نوع من التسامح بين الزوجين ابتداء, أن العقد تم ولم يضرب في ذلك مهر, فكان ثمة تسامح وتقصير من الزوجة أن تأخذ حقها تامًا, فيبقى الأمر على ما هو عليه من التيسير والتسامح, والله جل وعلا قادر على أن يجعل متعة المرأة إذا لم يضرب لها زوجها مهرًا, أن يكون نصف مهر مثلها, ويبقى ذلك حكمًا, وهذا من الأحكام المعلومة, ولكن لما كان ضبط المثلية فيه نوع صعوبة, والأمر من جهة العقد بينهما أنه عقد ولم يسم المهر, دل على وجود التسامح بين الزوجين, وربما يكون هذا نوع تفريط من الزوجة؛ لأن المهر حظ لها, ففرطت في هذا الجانب ولم يقصر الزوج؛ لأن المهر يكون طلبًا من الزوجة، هذا هو الأصل, ووليها كذلك من جهة ضربه, فلما لم يضربوه دل على شيء من التسامح, وهذا يوكل إليهما بعدم التشديد فيه, فلم يضرب الله عز وجل في ذلك أمرًا معلومًا للتفريق بين الحالين, فلم يشدد الله عز وجل في ذلك, وجعل الأمر يبنى على التسامح كما بدئ به. والله سبحانه وتعالى إنما جعل للمرأة الحق في المهر إذا لم يدخل بها زوجها إنما عقد عليها, ولم يدخل بها ثم طلقها, جعل الله عز وجل لها في ذلك حقًا, وهذا الحق على ما تقدم: إما أن يكون مسمى ولها النصف, وإما لم يسم فلها المتعة. العلة في هذا فيما يظهر والله أعلم, أن فيه جبر خاطر للزوجة, وكذلك فيه دفع للإساءة للزوجة, التي ربما يكون في بعض نفوس الرجال، من الأذية لها أو الأذية لأهلها, وهو ضرب من ضروب الزجر والتأديب والحق أيضًا, وهذا هو الأصل أنه حق للزوجة وتمتيع لها.