ثم إن الله سبحانه وتعالى لما بيَّن أن هذا الأمر حق من الزوج لزوجته وهو المهر, بين أنه لا يسقط إلا بعفو ومسامحة, وعادة فالذي يعفو هو صاحب اليد العليا أنه متفضل, فجعل الله عز وجل حق المرأة من جهة المهر فرض على الزوج يجب أن يعطيه زوجته, ثم شَّوف الزوجة أن تقوم بالعفو عن حقها على زوجها حتى تكون يدها في ذلك هي العليا, ويكون لها منة في ذلك؛ لأن الله عز وجل ما أراد أن يجمع على الزوج الضرر المادي وربما معنوي في مثل هذا, ويجمع على الزوجة الضرر المعنوي, أما بالنسبة للمادة فإنها لم تتضرر في مثل هذا الأمر؛ لأنها لم تنفق شيئًا, فأراد الله عز وجل تطييب خاطرها وحفظ حقها وكرامتها وألا يساء بحقها, أن زوجها إنما تركها لعيب؛ لأن المعيبة تطلق ولا تستحق من ذلك شيئًا, وذلك أن المرأة إذا طلقها زوجها ووجد بها عيبًا, فهذا العيب الذي يكون في الزوجة إذا طلقها قبل أن يمسها, فعلم بها عيبًا كتب عليه فيه فلا تستحق من ذلك المهر, ولكن لما لم يكن بها عيب أوجب الله عز وجل لها من ذلك المهر الذي قدره الله سبحانه وتعالى, ثم شوفها إلى العفو بذلك حتى لا يلحق الضرر. فحفظ للأمر أمرها وشأنها وكرامتها في ذلك, ألا تكسر عند أزواج يريدون أن يخطبوها بعد ذلك, فلا يظن بها ظن السوء, أو يظن بها أن بها عيبًا, أو ما تركت إلا لسوء, فأوجب الله عز وجل لها حقها في ذلك حتى تدفع هذه الظنة. وكذلك حث الله سبحانه وتعالى الذي بيده عقدة النكاح على العفو والصفح, وهو أن يعفو عن حقه الذي فرض لها, وعلى ما تقدم فإن الله جل وعلا أوجب للزوجة على زوجها إذا طلقها قبل أن يمسها وفرض لها مقدارًا معينًا من المهر أن لها النصف, ثم شوف الطرفين إلى المسابقة بالعفو, قال: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة:237] .