في قوله جل وعلا: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [البقرة:237] , نستطيع أن نقول: إنه كلما استكثر الإنسان عفوًا زاد تقى, وكلما قل عفوًا فإنه يقل في جانب التقوى. وكذلك في هذه الآية دليل على التلازم بين الطبع والشرع, من جهة القرب من الله سبحانه وتعالى والبعد عنه. وفي هذه الآية أيضًا إشارة إلى السياسة الشرعية في التعامل مع النفوس، الشريعة تتعامل مع النفوس وتعالجها كما تعالج القضايا المادية من جهة حسمها, الشريعة والحكم أمكن في ذلك أن الله سبحانه وتعالى يبين أن للمرأة نصف المهر وانتهى الأمر, لا. دفع الله سبحانه وتعالى إلى ما يصلح النفوس بعد ذلك؛ لأنهم سيتفرقون بعد هذا الأمر, فدعا إلى التشوف والمصالح, أن يغلب أحدهما الآخر بالعفو عن حقه، لأنه أدعى لكسر النفس, وإساءة الظن, أنه ما فارقها كرهًا لها أو كرهًا لأهلها, أو عدم حب لهم أو نحو ذلك, فيكون ثمة شيء من العهد في مثل هذا الفعل, فيذكر الواحد الآخر, فإذا وضع مهره كله وأبقاه, يذكر بخير ولا يذكر بسوء, كذلك أصلح لحالهما بعد, فإن النفوس تتشوف في حال الكره, تتشوف على إظهار معايب الآخر, فيظهر الرجل, فإذا أكرمت الزوجة من خطبها ونحو ذلك بعفوها عن مهرها بالكامل ذكرها بخير, وانقبضت النفس عن بسط السوء الذي يعلمه من حالها أو من حال أهلها أو نحو ذلك, ذكرهم بخير, وإذا غلب شحهم في ذلك, في مثل هذا الأمر, فإن هذا يدفع النفوس إلى إخراج هذا السيئ, جاءت الشريعة بمعالجة هذا الأمر, ووأده في نفس الزوجين, حتى يصلح حال الزوجين, ويصلح حالهم بعد ذلك إذا استقبلت الزوج زوجًا آخر, أو استقبل الزوج زوجة أخرى, وهذا يدل على عناية الشريعة في مثل هذا الأمر.