وفي قول الله جل وعلا: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194] ، هنا أمر بالعلم أن الله عز وجل مع المتقين, وذلك أن ذلك لا يمكن فيه العمل, أن الإنسان إذا علم أن الله عز وجل معه إن اتقى فإنه يعمل بتلك التقوى، فالعمل حينئذ بالتقوى, وأما بالنسبة لمعية الله عز وجل هنا في هذه الآية فهي تسديد الله عز وجل وإعانته ورعايته ونظره سبحانه وتعالى لعباده وكفايته لهم؛ ولهذا الله عز وجل يقول في كتابه العظيم: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36] ، وكفاية الله لعبده هو أن يسدد قوله وفعله, كلما زاد في التقوى زاد الله في كفايته وتسديده، ولهذا يقول الله جل وعلا كما جاء في الخبر القدسي كما في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) ، وهنا أشار إلى زيادة التقوى، (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) ، وفي هذا نعلم أن الإنسان كلما زاد في جانب التقوى كفاه الله عز وجل, وليس المراد من ذلك أن الله يكفيه الأذى, ولكن الله عز وجل يكفيه الأمر ظاهرًا وباطناَ، ومعنى ظاهرًا وباطنًا: أي: أن الله عز وجل قد ينزل الأذى بالإنسان ويرزقه يقينًا وصبرًا وثباتًا، فيكون صبره وثباته على الألم الشديد أشد من صبر الإنسان على الألم اليسير؛ كالشوكة التي يشاكها الإنسان, فالأمر حينئذ في كفاية الله للثبات الباطن ليس لوقوع الأمر الظاهر.