وكلما كان الإنسان ضيقًا في إدراكه نظر إلى سيئة متجردة، ولم ينظر إلى ما يقابلها من أمر آخر، وإذا كان الإنسان نظره ضيق نظر إلى باب خير، ولم ينظر إلى ما يجلبه ذلك الخير من مفاسد، ولهذا نقول: كلما كان الإنسان بصيرًا بمعرفة الغايات كان أكثر الناس حكمة، فمن نظر إلى أحوال الإنسان تجد حتى أمورهم الدنيوية، إذا انشغل الإنسان بشيء، وأشغل باله وحسه كثيرًا تجد أنه من أهل الحكمة في دنياه، فتدخل في بعض بيوت الناس تجد أنه نمق منزله تنميقًا عجيبًا، ووضعها في مواضع بتناسق عجيب، ولكن دينه ومنطقه ضائع، وحكمته وضعها في الحيطان، ولو نقل هذه الحكمة إلى دينه لأصبح من أحكم الناس وأعلمهم، ولهذا معرفة المواضع أن يضعها الإنسان يضعها في سياقها، لهذا تجد الإنسان مثلًا يضع الأشياء في بيته، ويضع مثلًا شيئًا معينًا هو في ذاته ترى أنه نشاز، لا إراديًا تقول: هذه تصلح هناك، وربما بعض الناس يقول: هذه لا تصلح هنا؛ لأنه يرى مثلًا هذه القطعة قطعة أثرية، وهذا المكان هو مكان أصلي لا يناسبه، من يريد أن يخبط خبط عشوائي، وهذا موجود في أحوال الناس فهو نظر إليها في دائرة هي صحيحة في ذاتها، ولكن كلما اتسعت الدائرة يعرف الخلل، ولهذا إذا أتيت شخصًا ووضعت دائرة على علامة قد وضعها مثلًا في بيتها أو نحو ذلك ما رأيك في هذه التحفة؟ يقول: جميلة، ثم وسّع الدائرة سيقول الذي وضعها هنا رجل قبيح؛ لأنه اتسع نظره، إذًا: هذا هو الحكمة، الحكمة في أنه توسع نظره فأدرك موضعها لأنه ما نظر إليها بذاتها، وهذا ما نعاني منه في كثيرًا من القضايا أنه ينظر إلى التحفة وما نظر إلى السبر كله، وما نظر إلى النسق كله، ولهذا بعض الأشياء هي حسنة في ذاتها، وإفهام الإنسان ومناقشته فيها يدور فيها حولها، ولكن ما يستطيع الإنسان أن يمد بصره لأن عقله ضيق، لهذا كلما أدرك الإنسان مراتب الخير وتوسع فيها أدرك ذلك، ولو اهتم الناس بأمر دينهم كما اهتموا بأمر دنياهم