فهرس الكتاب

الصفحة 1000 من 2431

أولًا: المعنى اللغوي:

الصاد والحاء والباء أصلٌ واحدٌ يدل على مقارنة شيءٍ ومقاربته، ومن ذلك الصاحب 1، ويجمع بالصحب، والصحبان والصحبة والصحاب، والأصحاب: جماعة الصحب 2، ومن الباب: أصحب فلانٌ إذا انقاد، وأصحب الرجل إذا بلغ ابنه مبلغ الرجال، فصار مثله، فكأنه صاحبه، واستصحب الرجل: دعاه إلى الصحبة، ولازمه، وكل ما لازم شيئًا فقد استصحبه 3، لذلك يطلق مجازًا على من اعتنق مذهبًا أو رأيًا فيقال: أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب الشافعي 4، والصحبة- بالضم-: المعاشرة، صحبه صحبة وصحابة وصحابة، وصاحبه: عاشره، والصاحب: المعاشر 5، وكذا: المرافق، ومالك الشيء، والقائم على الشيء، وفي التنزيل العزيز: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} [المدثر:31] 6.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

المعنى الاصطلاحي لا يختلف كثيرًا عن المعنى اللغوي، فقد قال الراغب: «الصاحب: الملازم، إنسانًا كان أو حيوانًا أو مكانًا أو زمانًا، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن وهو الأصل والأكثر، أو بالعناية والهمة، ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته» 7.

وعرفها ابن عاشور بأنها: «الملازمة في أحوال التجمع والانفراد للمؤانسة والموافقة، ومنه قيل للزوج: صاحبة، وللمسافر مع غيره صاحب، وقد يتوسعون في إطلاقه على المخالط في أحوال كثيرة، ولو في الشر» 8.

وردت مادة (صحب) في القرآن الكريم (106) مرات 9.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 2 ... {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي} [الكهف:76]

فعل الأمر ... 1 ... {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15]

اسم الفاعل ... 103 ... {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء:36]

وجاءت الصحبة في القرآن الكريم بمعناها اللغوي الدال على الملازمة 10.

الرفقة:

الرفقة لغة:

الرفقة: الصحبة في السفر أو غيره، يقال: رافق الرجل صاحبه، ورفيقك: الذي يرافقك، وقيل: هو الصاحب في السفر خاصة 11.

وسمي الصاحب رفيقًا؛ لارتفاقك به وبصحبته، ويقال للجماعة في السفر: رفقة؛ لارتفاق بعضهم ببعض 12.

الرفقة اصطلاحًا:

لا يختلف معنى الرفقة اصطلاحًا عن معناها اللغوي، والرفقة تقال للقوم ما داموا منضمين في مجلس واحد ومسير واحد، فإذا تفرقوا ذهب عنهم اسم الرفقة، ولم يذهب عنهم اسم الرفيق 13.

الصلة بين الرفقة والصحبة:

الرفقة أخص من الصحبة، والصحبة أعم، ففي لفظ (الرفيق) معنى الرفق والرحمة، بخلاف الصحبة؛ فقد يوجد الرفق فيها، وقد يوجد العذاب كما هو مع أصحاب النار.

الصداقة:

الصداقة لغة:

الصداقة: مصدر الصديق، وهو مشتق من صدق المودة والنصيحة، والجمع صدقاء وصدقانٌ وأصدقاء وأصادق 14.

والصديق: الصاحب الصادق في المودة 15، وإنما سمي الصديق صديقًا لصدقه 16.

الصداقة اصطلاحًا:

لا يختلف معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، ولذا عرفها المناوي بأنها: «صدق الاعتقاد في المودة، وذلك يختص بالإنسان دون غيره» 17.

الصلة بين الصداقة والصحبة:

الصداقة أخص من الصحبة، فهي تختص بالإنسان دون غيره، فكل صديق صاحب، وليس كل صاحب صديقًا.

الأخوة:

الأخوة لغة:

الأخ: «المشارك آخر في الولادة من الطرفين، أو من أحدهما أو من الرضاع. ويستعار في كل مشارك لغيره في القبيلة، أو في الدين، أو في صنعة، أو في معاملة أو في مودة، وفي غير ذلك من المناسبات» 18.

وأكثر ما يستعمل الإخوان في الأصدقاء، والإخوةُ في الولادة 19.

الأخوة اصطلاحًا:

لا يختلف معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، الذي يشمل أخوة النسب والصداقة والمشاركة في قبيلة أو دين أو صنعة وغير ذلك.

الصلة بين الأخوة والصحبة:

كل واحد منهما أخص من الآخر من جهة وأعم من جهة أخرى، فهناك أخ ليس بصاحب، وهناك صاحب ليس بأخ، وإذا قابلت بينهما فالأخ أعلى 20.

القرين:

القرين لغة:

القرين: المقارن والمصاحب، والزوج، والبعير المقرون بآخر، والأسير، والجمع: قرناء 21، والقرين يكون في الخير والشر، وكل إنسان معه قرين، فقرينه من الملائكة يأمره بالخير ويحثه عليه، وقرينه من الشياطين يأمره بالشر ويحثه عليه 22.

القرين اصطلاحًا:

لا يختلف معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.

الصلة بين القرين والصحبة:

الصحبة تفيد انتفاع أحد الصاحبين بالآخر غالبًا، ولهذا يستعمل في الآدميين خاصةً، فيقال: (صحب زيد عمرًا) ، و (صحبه عمرو) ، ولا يقال: (صحب النجم النجم) ، أو (الكون الكون) والمقارنة: تفيد قيام أحد القرينين مع الآخر، ويجري على طريقته وإن لم ينفعه، ومن ثم قيل: (قران النجوم) ، وقيل للبعيرين يشد أحدهما إلى الآخر بحبل: (قرينان) 23.

العشرة:

العشرة لغة:

العِشرة: اسم من المعاشرة وهي المخالطة 24، والعشير: الصاحب والزوج 25، والعرب تسمى الزوج: عشيرًا؛ لأجل المخالطة 26، والعشيرة: أهل الرجل الذين يتكثر بهم 27.

الرفقة اصطلاحًا:

لا يختلف معنى العشرة اصطلاحًا عن معناها اللغوي.

الصلة بين العشرة والصحبة:

العشرة ترادف مفهوم الصحبة، فكلاهما يدل على المعاشرة والمخالطة، إلا إن العشرة تعتبر من معاني الصحبة، فلفظ الصحبة إذن أعم من لفظ العشرة، فكل صحبة عشرة، وليس كل عشرة صحبة.

حث الله تعالى في محكم التنزيل على ملازمة أهل الصلاح والإيمان، ونهى عن ملازمة أهل الغفلة والضلال، حيث قال جل وعلا: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) } [الكهف:28] .

وفي هذا المبحث سوف نذكر نوعين من الصحبة في كتاب الله عز وجل.

أولًا: الصحبة الصالحة:

أشار القرآن الكريم لهذا النوع من الصحبة، وسوف نذكر منها ما يأتي:

1.صحبة موسى عليه السلام للخضر.

ذكر الله تعالى رحلة موسى عليه السلام وملازمته للخضر في محكم التنزيل، ولم يذكر أسباب تلك الرحلة، إلا أن السنة النبوية أوضحت أن سبب الرحلة كان عتاب الله سبحانه وتعالى لنبيه موسى عليه السلام عندما سئل هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: أن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك الخ 28.

والتقى موسى عليه السلام بالخضر في ذلك المكان بعد رحلة طويلة وشاقة، فكان ما قص الله من نبأهما في محكم التنزيل.

قال تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) } [الكهف:65 - 66] .

إلى قوله جل وعلا: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:82] .

وسوف نذكر بعضًا من الفوائد والعبر من صحبة موسى عليه السلام للخضر، منها:

-أن ما فعله موسى عليه السلام، وهو من جلة الأنبياء من طلب العلم، والرحلة في ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه 29.

-كان سؤال موسى عليه السلام للخضر في قوله تعالى: (ک ک ک گ گ گ گ ? ?) [الكهف:66] .

-سؤال الملاطف، والمخاطب المستنزل المبالغ في حسن الأدب 30، وهذا بلا ريب تعليم لآداب الصحبة أنها تكون باتفاق النفوس، وتلاقي القلوب، والاستفهام لبيان إرادة الإتباع في أبلغ أدب 31.

-أن العلم الذي يعلمه الله للعبد نوعان: علم مكتسب، يدركه العبد بطلبه وجده، وعلم إلهي لدني، يهبه الله لمن يمن عليه من عباده، لقوله: (? ژ) [الكهف:65] . فالخضر أعطي من هذا النوع الحظ الأوفر 32.

-في قوله تعالى على لسان الخضر لموسى عليه السلام: (ژ ڑ ڑ ک ک ک ک) [الكهف:78] . قالوا: إن هذا من أدب الصحبة 33، فلا ينبغي للعبد أن يفارق صاحبه في حال من الأحوال ويترك صحبته، بل يفي له بذلك حتى لا يجد للصبر محلًا، وأن موافقة الصاحب لصاحبه في غير الأمور المحذورة مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكدها، كما أن عدم الموافقة سبب لقطع المرافقة 34.

2.صحبة أهل الكهف.

وهم مجموعة من الشباب، لجؤوا إلى غار في الجبل، فرارًا بدينهم من أقوامهم، الذين كانوا يعبدون الأصنام، وحدثت لهم بهذا الغار الأعاجيب، وقد ذكر الله قصتهم باختصار في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?) [الكهف:9 - 12] .

ثم بدأ بتفصيلها بعد هذا الإجمال في أربع عشرة آية بعد ذلك.

قال السعدي عنهم: «هم فتية وفقهم الله، وألهمهم الإيمان، وعرفوا ربهم، وأنكروا ما عليه قومهم، من عبادة الأوثان، وقاموا بين أظهرهم معلنين فيما بينهم عقيدتهم، خائفين من سطوة قومهم فقالوا: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف:14] .

فلما اتفقوا على هذا الأمر، وعرفوا أنهم لا يمكنهم إظهار ذلك لقومهم سألوا الله أن يسهل أمرهم فقالوا: (گ گ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف:10] .

فأووا إلى غار يسره الله غاية التيسير، واسع الفجوة فناموا في كهفهم بحفظ الله ورعايته ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا» 35.

فهؤلاء فتية ضحوا في سبيل عقيدتهم وفروا بدينهم من سعة الحياة إلى ضيق الكهف؛ ليكونوا مثلًا لكل أهل عقيدة، ودليلًا على أن الله تعالى ينصر أهله ويدافع عنهم ويخلد ذكراهم إلى قيام الساعة 36.

وقد ذكر السعدي فوائد وعبر من هذه القصة منها:

-أن من أوى إلى الله أواه الله، ولطف به، وجعله سببًا لهداية الضالين؛ فإن الله لطف بهم في هذه النومة الطويلة إبقاء على إيمانهم وأبدانهم من فتنة قومهم وقتلهم، وجعل هذه النومة من آياته التي يستدل بها على كمال قدرة الله، وتنوع إحسانه، وليعلم العباد أن وعد الله حق.

-الحث والتحرز والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان الذي يدرأ عن الإنسان الشر 37.

-أن الملازم لأهل الفضل لا بد أن يناله شيء من ذكر جميل وشأن عظيم 38، فقد نال كلبهم ذلك الذكر والشأن في صحبتهم، قال تعالى: (? ? ? ?) [الكهف:18] . قال ابن كثير: «وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار؛ فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن» 39، وهذا الذكر والشأن قد خلص إلى كلب لازم أهل الفضل، فما بال من لازمهم واقتدى بصلاحهم؟! 40.

3.صحبة أبي بكر الصديق لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

صحب أبو بكر الصديق رضي الله عنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم منذ إسلامه إلى وفاته، ولم يفارقه أبدًا، وشارك معه في غزواته، وبذل نفسه وماله في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، وهاجر مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يتركه أبدًا طيلة حياته، ونال بذلك شرف الصحبة معه في الغار، حيث قال جل وعلا في محكم التنزيل: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] .

قال السعدي: «وفي هذه الآية الكريمة فضيلة أبي بكر الصديق بخصيصة لم تكن لغيره من هذه الأمة، وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة، والصحبة الجميلة، وقد أجمع المسلمون على أنه هو المراد بهذه الآية الكريمة، ولهذا عدوا من أنكر صحبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم كافرًا، لأنه منكر للقرآن الذي صرح بها وفيها: أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله الصديقين، مع أن الأولى-إذا نزل بالعبد-أن يسعى في ذهابه عنه، فإنه مضعف للقلب، موهن للعزيمة» 41.

4.صحبة يوسف عليه السلام للفتيين في السجن.

دخل يوسف عليه السلام السجن، وكان في جملة من دخل معه فتيان، فلما رأيا من فضله وإحسانه في السجن طلبا منه تأويل رؤياهما.

قال تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) } [يوسف:36] .

قال أبو حيان: «ومع تدل على الصحبة واستحداثها، فدل على أنهم سجنوا الثلاثة في ساعة واحدة، ولما دخل يوسف السجن استمال الناس بحسن حديثه وفضله ونبله، وكان يسلي حزينهم، ويعود مريضهم، ويسأل لفقيرهم، ويندبهم إلى الخير، فأحبه الفتيان ولزماه» 42.

وتوسما من يوسف عليه السلام كمال العقل والفهم فظنا أنه يحسن تعبير الرؤيا، ولذلك قالا: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} 43.

فانتهز الفرصة ودعاهما إلى عبادة الله تعالى وحده، وترك ما سواه من عبادة الأصنام قبل تأويل رؤياهما، وهذه طبيعة المؤمن أن يكون حريصًا على دعوة وهداية الآخرين إلى الخير والصلاح، وقدم قبل الدعوة ما يكون معجزة له من الإخبار بالغيب ليدلهما على صدقه في الدعوة والتعبير.

قال تعالى: {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف:37] 44.

فناداهما باسم الصحبة في المكان الشاق الذي تخلص فيه المودة وتتمخض فيه النصيحة؛ ليقبلا عليه ويقبلا مقالته، وقد ضرب لهما مثلًا يتضح به الحق عندهما حق اتضاحٍ.

قال تعالى: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) } [يوسف:39 - 40] 45.

فأورد الدليل على بطلان ملة قومهما بقوله: {أَأَرْبَابٌ} فأبرز ذلك في صورة الاستفهام حتى لا تنفر طباعهما من المفاجأة بالدليل من غير استفهام، وهكذا الوجه في محاجة الجاهل أن يؤخذ بدرجة يسيرة من الاحتجاج يقبلها، فإذا قبلها لزمته عنها درجة أخرى فوقها، ثم كذلك إلى أن يصل إلى الإذعان بالحق 46.

فيوسف عليه السلام دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، فيحتمل أنهما استجابا وانقادا، فتمت عليهما النعمة، ويحتمل أنهما لم يزالا على شركهما، فقامت عليهما -بذلك- الحجة، ولعل يوسف عليه الصلاة والسلام قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بدت حاجتهما إليه، ليكون أنجع لدعوته، وأقبل لهما 47، وجعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة وسببًا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام، لما رأى في سجيتهما من قبول الخير والإقبال عليه، والإنصات إليه 48.

5.صحبة الأخيار المداومين على عبادة الله تعالى.

حث الله تعالى على ملازمة الأخيار من عباده، المداومين على ذكره، حيث قال جل وعلا: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف:28] .

يقول السعدي في تفسير هذه الآية: «يأمر تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وغيره أسوته، في الأوامر والنواهي أن يصبر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين {الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} أي: أول النهار وآخره يريدون بذلك وجه الله، فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها، ففيها الأمر بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في صحبتهم من الفوائد ما لا يحصى» 49.

والتعبير عنهم بالموصول للإيماء إلى تعليل الأمر بملازمتهم، أي لأنهم أحرياء بذلك؛ لأجل إقبالهم على الله فهم الأجدر بالمقارنة والمصاحبة 50.

فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه، فإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى عز وجل، واتباع السنة، وأمره غير مفروط عليه بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه 51.

6.صحبة الوالدين.

أعظم صحبة للإنسان هي صحبة الوالدين، وهي صحبة صالحة يرضي بها الإنسان ربه، ويسعد بها في دنياه، ويرجو بها حسن الثواب في الآخرة، وقد أمر الله تعالى ببر الوالدين والإحسان إليهما، وقرن طاعته بطاعتهما بعده مباشرة.

قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء:23] .

ومفهوم الإحسان إلى الوالدين كما ذكر القرطبي: «معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما 52، وبرهما وحفظهما وصيانتهما، وإزالة الرق عنهما، وترك السلطنة عليهما» 53.

والأمر بالإحسان يتضمن النهي عن الإساءة، إذ هو نهي عن الإساءة، وأمر بفضل العاطفة والمواساة والقرب، وإحسان الصحبة 54.

وفي الآية دليل واضح على عظم صحبة الوالدين بالإحسان إليهما، فقد أتى بعد حق الله جل وعلا الذي هو من أعلى الحقوق وأعظمها، قال ابن كثير: «وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تعالى، أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان:14] .

وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء:23] » 55.

ومما يدل كذلك على عظم صحبة الوالدين، وأنها من آكد حقوق المخلوقين، ما جاء في الحديث الصحيح، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال:(أمك) قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك) قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك) قال: ثم من؟ قال: (ثم أبوك) 56.

بل إن الله تعالى أمر بصحبتهما وإن كانا كافرين، ولكن بما يرتضيه الشرع.

قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15] .

قال المراغي: «أي وصاحبهما في أمور الدنيا صحبة يرتضيها الدين، ويقتضيها الكرم والمروءة، بإطعامهما وكسوتهما، وعدم جفائهما وعيادتهما إذا مرضا، ومواراتهما في القبر إذا ماتا» 57.

وذكر {فِي الدُّنْيَا} ؛ لتهوين أمر الصحبة، والإشارة إلى أنها في أيام قلائل وشيكة الانقضاء فلا يضر تحمل مشقتها؛ لقلة أيامها وسرعة انصرامها 58.

وفي الآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول، والدعاء إلى الإسلام برفق 59.

ثانيًا: الصحبة السيئة:

وقد أشار القرآن الكريم إلى نماذج، منها:

1.صحبة الشيطان.

ذم الله تعالى صحبة الشيطان باتباع خطواته ووسواسه وتزيينه للشر، حيث قال جل وعلا: {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} [النساء:38] .

والقرين: المقارن، أي الصاحب والخليل، وهو فعيل من الإقران 60.

قال طرفة بن العبد 61:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن يقتدي

وفي معنى الآية يقول الخازن: «من يكن الشيطان صاحبه وخليله فبئس الصاحب وبئس الخليل الشيطان، وإنما اتصل الكلام هنا بذكر الشيطان تقريعًا لهم على طاعة الشيطان» 62.

فهو الذي حملهم على صنيعهم القبيح، وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها، بأن سول لهم وأملى لهم، وقارنهم فحسن لهم القبائح 63.

وفي الآية إيماء إلى تأثير قرناء المرء في سيرته، وأن الواجب اختيار القرين الصالح على قرين السوء 64.

2.صحبة أهل الدنيا المنهمكون في ملذاتها الغافلون عن ذكره جل وعلا.

أمر الله تعالى رسوله الكريم بملازمة المؤمنين الصادقين، وحذر من الانصراف عنهم إلى صحبة أهل الدنيا المنشغلون بها الغافلون عن ذكره، ونهاه عن طاعتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت