فهرس الكتاب

الصفحة 1872 من 2431

الحكمة

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «الحاء والكاف والميم أصل واحد، ومعناه المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة؛ لأنها تمنعها، ويقال: حكمت السّفيه وأحكمته، إذا أخذت على يديه 1.

قال جريرٌ 2:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إنّي أخاف عليكم أن أغضبا

والحكمة هذا قياسها؛ لأنها تمنع من الجهل، والمحكّم: المجرب المنسوب إلى الحكمة 3.

والحكيم، هو ذو الحكمة، والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم، وعرّف الحكم في اللغة بأنه الحكمة من العلم، وصاحب الحكمة هو المتقن للأمور.

ولو تدبرنا معاني الحكمة في اللغة على نحو ما سبق لوجدنا أن مدارها على شيئين: أولهما: المنع، لأنها تحكم صاحبها أو المتصف بها من الوقوع فيما يذم عليه أو يلحقه الندم، وثانيهما: الفطنة في تدبير الأمور وحسن إدارتها، من حيث تقديم الأهم على المهم، وتقديم الفاضل على المفضول 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

للحكمة في الاصطلاح تعريفات عدة نختار منها ما يأتي:

أنّ الحكمة هي: «معرفة الحق والعمل به، والإصابة في القول والعمل، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام، وحقائق الإيمان، وهذا التعريف للإمام مجاهد والإمام مالك، وقد قال عنه ابن القيم: «إنه أحسن ما قيل في الحكمة» 5.

أنها «ضرب من العلم يمنع من ركوب الباطل» 6.

أنها «خروج نفس الإنسان إلى كمالها الممكن» 7.

ومن التعريفات المعاصرة للحكمة:

أ- أنها «العلوم النافعة والمعارف الصائبة، والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال» 8.

ب- أنها: «القصد والاعتدال، وإدراك العلل والغايات، والبصيرة المستنيرة التي تهديه للصالح الصائب من الحركات والأعمال» 9.

ج- أنها «وضع الشيء في موضعه» 10.

د- أنها: «فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي» 11.

التعريف المختار:

الذي يمكن للباحث اختياره استخلاصًا من التعريفات السابقة أنّ الحكمة «ملكةٌ فطريةٌ أو مكتسبةٌ يمكن بها وضع الأمور في مواضعها أقوالا وأفعالا وأحكامًا وفق روية ودراية» .

فالصلة بين المعنى الاصطلاحي واللغوي وثيقة جدًّا؛ إذا كلاهما يدلان على تدبير الأمور وحسن إدارتها والمنع من ركوب الباطل.

وردت مادة (أحكم) في القرآن الكريم (123) مرة 12.

والصيغ التي جاءت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) } [هود:1]

الفعل المضارع ... 1 ... {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) } [الحج:52]

المصدر ... 20 ... {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة:269]

الصفة المشبهة ... 97 ... {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) } [النمل:6]

اسم التفضيل ... 2 ... {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8) } [التين:8]

اسم المفعول ... 2 ... {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران:7]

وجاءت الحكمة في القرآن على خمسة وجوه 13:

أحدها: وضع الأشياء مواضعها، ومنه قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) } [التغابن:18] ، يعني: الموصوف بالحكمة، لا يدع معاملة الناس بما تقضيه الحكمة من وضع الأشياء مواضعها، ونوط الأمور بما يناسب حقائقها.

والثاني: الموعظة، ومنه قوله تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) } [القمر:5] ، يعني: موعظة قد بلغت الغاية، ووصلت إلى النهاية.

والثالث: السنة، ومنه قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة:2] ، يعني: القرآن والسنة.

والرابع: العلم والفهم، ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} [لقمان:12] ، يعني: العلم والفهم.

والخامس: النبوة: ومنه قوله تعالى: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء:54] ، يعني: النبوة.

العلم:

العلم لغةً:

نقيض الجهل، والمعرفة، واليقين، والعلّامة: النسّابة، وهو من العلم 14، ويقال: «علمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته» 15.

العلم اصطلاحًا:

عرفه الجرجاني: «العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، ونقل عن الحكماء فقال: هو حصول صورة الشّيء في العقل» 16.

وأنكر ابن العربي تعريف العلم لوضوحه وقال: «العلم أبين من أن يبين» 17، وأنكر على من تصدى لتعريف العلم.

الصلة بين العلم والحكمة:

يمكن إبرازها في الآتي:

1.أن العلم يشبه الحكمة من حيث كون كلًّا منهما يفيد المرء ويفيد غيره، ويورث صاحبه قبولًا ومكانة ورفعة بين الناس.

2.أن الحكمة ضرورية لطلب العلم وتعليمه، فمن التزم بالحكمة أحسن التعلم إن كان تلميذًا، والتعليم إن كان معلمًا.

القضاء:

الفقه لغةً:

«العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة. وغلب على علم الدين؛ لشرفه» 18.

الفقه اصطلاحًا:

هو الإصابة والوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلّق به الحكم، وهو علمٌ مستنبطٌ بالرأي والاجتهاد، ويحتاج فيه إلى النظر والتأمّل 19.

الصلة بين الفقه والحكمة:

أن الفقه طريق إلى الحكمة، فكل من تفقه في دينه، ووقف على شيء من أسرار الأحكام الشرعية، وأعمل ذهنه في استنباطها كان حكيمًا في تصرفاته، متزنًا في أفعاله وأقواله.

القضاء:

الفطنة لغةً:

الفطنة بالكسر وسكون الطاء المهملة لغة: هي الفهم، وفي الصحاح هي كالفهم، وهذه قد تكون جبليّة وقد تكون مكتسبة، كما أنّ عدم الفطنة قد يكون جبليّا وقد يكون عارضًا 20.

الفطنة اصطلاحًا:

تعرف في الاصطلاح بأنها «جودة تهيئ النفس لتصوّر ما يرد عليها من الغير» 21.

وتعرف كذلك بأنها «الفطنة: سرعة ما يقصد إشكاله» 22.

الصلة بين الفطنة والحكمة:

أن الحكمة تنبني على الفطنة، إلا أن الفطنة فيها جانب معنوي به تدرك بواطن الأمور ومراميها، مما يؤدي إلى الحكمة في التصرفات، ولهذا فإن الحكيم لابد أن يكون فطنًا.

أولًا: الحكة نعمة:

الحكمة نعمة من نعم الله تعالى التي ينعم بها على من يشاء من عباده، يصدق ذلك قول الله تعالى {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269] .

قال الشيخ المراغي في تفسير قوله تعالى: « {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} أي: إنه تعالى يعطى الحكمة والعلم النافع المصرّف للإرادة لمن يشاء من عباده، فيميز به الحقائق من الأوهام، ويسهل عليه التفرقة بين الوسواس والإلهام وآلة الحكمة العقل المستقل بالحكم في إدراك الأشياء بأدلتها، وفهم الأمور على حقيقتها -ومن أوتى ذلك عرف الفرق بين وعد الرّحمن ووعد الشيطان، وعضّ على الأول بالنواجذ وطرح الثاني وراءه ظهريًّا، {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} أي: ومن يوفقه الله لهذا النوع النافع من العلم، ويرشده إلى هداية العقل، ووجهه الوجهة الصحيحة- فقد هدى إلى خيرى الدنيا والآخرة، فهو يسخر القوى التي خلقها الله له من سمع وبصر وشعور ووجدان في النافع من الأشياء، ويعدّها لتنفيذ ما يرغب فيه، ثم بعدئذ يفوض الأمر إلى بارئه الذي فطره وسوّاه، ومنه مبدؤه وإليه منتهاه، وبهذا لا يستسلم لوساوس الشيطان، ولا يقض مضجعه ما يجده من مكدرات الحياة وآلامها» 23.

وقد فسرت الحكمة في هذا الموضع بتفسيرات عدة أشهرها ما يأتي:

1.أن الحكمة هي الإصابة في القول والفعل، روي هذا عن مجاهد 24.

2.أن الحكمة هي العقل في الدين، روي هذا عن عبد الرحمن بن زيد 25.

3.أن الحكمة هي الفهم، وهو مروي عن إبراهيم النخعي 26.

4.أن الحكمة هي النبوة، وهو مروي عن ابن عباس والسدي 27.

5.أن الحكمة هي علم القرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله، وهذا مروي عن قتادة 28.

6.أن الحكمة هي الخشية، وهو مروي عن الربيع بن خيثم 29.

7.أن الحكمة هي المعرفة بالدين والفقه فيه والاتباع له، حكاه ابن وهب عن مالك 30.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك قوله: «وإنه ليقع في قلبي، أن الحكمة هو الفقه في دين الله؛ وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلًا في أمر الدنيا، إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه، ويحرمه هذا، فالحكمة: الفقه في دين الله» 31.

ولا مانع من إطلاق الحكمة على كل المعاني السابقة، يقول الإمام الطبري بعد أن ذكر هذه المعاني: «إنها مأخوذة من «الحكم» وفصل القضاء، وأنها الإصابة بما دل على صحته، فأغنى ذلك عن تكريره في هذا الموضع، وإذا كان ذلك كذلك معناه، كان جميع الأقوال التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولهم في ذلك داخلًا فيما قلنا من ذلك، لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها وعلم ومعرفة.

وإذا كان ذلك كذلك، كان المصيب عن فهم منه بمواضع الصواب في أموره مفهمًا خاشيًا لله فقيهًا عالمًا، وكانت النبوة من أقسامه، لأن الأنبياء مسددون مفهمون، وموفقون لإصابة الصواب في بعض الأمور، «والنبوة» بعض معاني الحكمة، فتأويل الكلام: يؤتي الله إصابة الصواب في القول والفعل من يشاء، ومن يؤته الله ذلك فقد آتاه خيرًا كثيرًا 32.

ولما كانت الحكمة نعمة كان إيتاؤها من رضا الله تعالى على المرء، حبًّا لها، ورفعة لمنزلته، وجزاء له على طاعته وامتثاله لأوامر الله تعالى واجتناب نواهيه، وقد ينعم الله تعالى على المرء في شبابه بالطاعة وييسر له سبلها ليؤهله بعد ذلك لتلقي الحكمة.

روي عن الحسن البصري قوله: «من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله» 33.

ثانيًا: تعلّم الحكمة:

الحكمة هبة وعطية من الله يهبها من يشاء من عباده الصالحين، أما كونها هبة وعطية فهي نعمة من نعم الله تعالى التي ينعم بها على أحد من خلقه، وهذه درجة سامية من درجات الحكمة، ولكن يمكن في الوقت ذاته اكتساب الحكمة أو تعلمها.

وأما كونها فطرية فقد تقدم ذكر الآية الصريحة في أن الحكمة نعمة يؤتيها الله تعالى لمن يشاء.

وورد في السنة كذلك ما يمكن الاستئناس به على فطريتها، وذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشجّ عبد قيس (إنّ فيك لخلقين يحبّهما الله: الحلم والأناة) 34، فقال: يا رسول الله، أنا تخلّقتهما، أو جبلني الله عليهما؟ قال: (بل الله جبلك عليهما) . قال: الحمد للّه الّذي جبلني على خلقين يحبّهما الله ورسوله 35.

ووجه الاستئناس بالحديث هنا أن الحلم والأناة وإن كان خلقين مستقلين إلا أن منبعهما الحكمة، فالحكيم تدفعه حكمته إلى الحلم والأناة.

وأما عن كونها مكتسبة فذلك بأن ييسر الله تعالى للمرء مخالطة الحكماء ومجالسة العلماء والإطلاع على التجارب والخبرات واكتساب الصفات والخلال التي تؤهله ليكون في مصاف الحكماء وبتعاطي أسباب الإخلاص، والتفكر والاعتبار بالحوادث، والصمت إذا خاض الإنسان فيها، كلها من الأسباب المعينة على الاقتباس من نور الحكمة وكل ذلك بتوفيق الله وإعانته.

وروي عن الإمام مالك؛ أنّه بلغه أنّ لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال: «يا بنيّ جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإنّ الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السّماء» 36.

وقد استنبط الشيخ محمد الطاهر بن عاشور كون الحكمة مكتسبة من الحوار الذي دار بين سيدنا سليمان عليه السلام وملئه حول إمكانية إحضار عرش ملكة سبأ، وذلك في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ?) [النمل: 38 - 40] .

قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «وهذه المناظرة بين العفريت من الجن والذي عنده علم من الكتاب ترمز إلى أنه يتأتى بالحكمة والعلم ما لا يتأتى بالقوة، وأنّ الحكمة مكتسبة لقوله: عنده علم من الكتاب، وأن قوة العناصر طبيعة فيها، وأن الاكتساب بالعلم طريق لاستخدام القوى التي لا تستطيع استخدام بعضها بعضًا. فذكر في هذه القصة مثلًا لتغلب العلم على القوة، ولما كان هذان الرجلان مسخرين لسليمان كان ما اختصا به من المعرفة مزية لهما ترجع إلى فضل سليمان وكرامته أن سخر الله له مثل هذه القوى» 37.

وأيًّا كان الأمر من كون الحكمة فطرية أو مكتسبة، فإن كليهما يستلزم من المرء العمل بها وتعليمها، وإلا دخل في عداد واحد من اثنين، الأول: العالم الذي لا يعمل بعلمه، والثاني: العالم الذي يكتم علمه، وكلاهما مذموم.

أما الأول فمذموم بقول الله تعالى (? ? ? ں ں ? ? ? ?) [الصف: 2] .

وأما الثاني فمذموم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما (يجاء بالرّجل يوم القيامة فيلقى في النّار، فتندلق أقتابه في النّار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النّار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) 38.

وروي أن سليمان بن عبد الملك سأل أبا حازم (أحد الزهاد بالمدينة) فقال: يا أبا حازم من أعقل النّاس؟ قال: من تعلم الحكمة وعلمها النّاس، قال: فمن أحمق النّاس؟ قال: من دخل في هوى رجل ظالم 39.

ويمكن بيان أوجه الفرق بين الحكمة الفطرية والحكمة المكتسبة، أو الحكمة التي يؤتيها الله والحكمة التي يتعلمها المرء على هذا النحو:

أنّ الحكمة التي يؤتيها الله تعالى إنما يؤتيها لمن أحب من خلقه، فهي نور لا يؤتيه لعاصٍ، أما تعلم الحكمة فقد ينالها الطائع والعاصي، فتكون للطائع نعمة، وعلى العاصي قد تكون استدراجًا ونقمة.

أعظم من الحكمة التى يتعلمها وأكثر إفادة من المكتسبة وفي كل خير، وذلك لأن علم البشر قاصر، قال الله تعالى (? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف:76] .

أنّ الحكمة المؤتاة من الله تعالى هي علم لدني، كما في حالة الخضر عليه السلام، ولقمان عليه السلام، أما الحكمة التي يتعلمها المرء فتأتي من طرق عدة، وبدرجات متفاوتة، فقد يتعلمها المرء من الإنسان، وقد يتعلمها من الحيوان.

وصف الله تعالى نفسه بالحكمة، وسمى نفسه الحكيم في آيات عديدة بلغت أكثر مائة موضع، من كتاب الله عز وجل، فالحكيم من أسماءالله الحسنى، وأكثر ما ورد من اسم «الحكيم» في القرآن الكريم ورد مقترنًا بغيره من الأسماء؛ كالعزيز والعليم والخبير والتواب ونحو ذلك.

قال ابن منظور: «الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، وهو الحكيم، له الحكم سبحانه وتعالى. قال اللّيث: الحكم الله تعالى. وقال الأزهريّ من صفات الله: الحَكَم والحَكِيم والحَاكِم، ومعاني هذه الأسماء متقاربة، وعلينا الإيمان بأنّها من أسمائه. وقال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى (الحكم) و (الحكيم) وهما بمعنى الحاكم، وهو القاضي فهو فعيل بمعنى فاعل، أو هو الّذي يحكم الأشياء ويتقنها فهو فعيل بمعنى مفعل، وقيل: الحكيم: ذو الحكمة وهي عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم» 40.

ولهذه التسمية ولهذا الاقتران معان دار حولها العلماء، أتناول ما تيسر منها على هذا النحو:

أولًا: معنى الحكمة في حق الله تعالى:

الحكمة في حق الله تعالى تعني صفة عظيمة من صفاته جل وعلا، واسمًا من أسمائه الحسنى، تتعلق بالعلم والإحاطة بخلقه، وتدبير شؤونهم، وتشريعاته الصالحة لكل زمان ومكان، ورحمته التي وسعتهم بتقدير وتدبير محكمين.

ولذلك فإن اسم الله تعالى «الحكيم» تتعدد معانيه وتتسع حسب المواضع الكريمة التي ورد فيها في كتاب الله تعالى، وكلها تصف المولى جل وعلا بالحكمة التي سبق ذكر معانيها.

فالحكيم جل وعلا له في خلقه شئون، وله في تدبير أمورهم إرادة لا يعتريها العبث، ولا يدخلها الخلل، قال تعالى مبينًا جوانب حكمته في الخلق: (? ? ? ? ?) [القمر: 49] .

فالحكيم جل وعلا جعل الناس متفاوتين في المعايش والأوصاف، كما قال ابن القيم: «الله سبحانه يحب أن يشكر، ولذا فاوت بين عباده في صفاتهم الظاهرة والباطنة في خلقهم وأخلاقهم وأديانهم وأرزاقهم ومعايشهم وآجالهم، فإذا رأى المعافى المبتلى والغنيّ الفقير والمؤمن الكافر عظم شكره لله، وعرف قدر نعمته عليه، وما فضّله به على غيره، فازداد شكرًا وخضوعًا واعترافًا بالنعمة، فالضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتبين الأشياء» 41.

والحكيم سبحانه وتعالى فاضل بين الناس، فوفّق قومًا للدين، ووكل قومًا لأنفسهم فاختاروا الكفر، ولا يعجز الله هدايتهم، ولو شاء لهدى الناس أجمعين، لكنه حكيم، جعل الكفر والإيمان، وسلط الشيطان على بني الإنسان حكمة منه 42.

قال ابن القيم: «في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله، فالله سبحانه لم يخلقه عبثًا، ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم، فكم لله في خلقه من حكمة باهرة، وحجة قاهرة، وآية ظاهرة، ونعمة سابغة؛ وهو وإن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ما هو خير من تفويتها» 43.

وللعلماء كلام طيب في معنى الحكمة في حق الله تعالى إما على جهة الإطلاق أو مستفادًا من الآيات القرآنية الورادة في الحكمة، وأورد هنا طرفًا من كلامهم وتفسيراتهم على هذا النحو:

قال الغزاليّ: «الحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، والله عزّ وجلّ هو الحكيم الحقّ، لأنّه يعلم أجلّ الأشياء بأجلّ العلوم، إذ أجلّ العلوم هو العلم الأزليّ الدّائم الّذي لا يتصوّر زواله، المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرّق إليه خفاء ولا شبهة ولا يتّصف بذلك إلّا علم الله سبحانه وتعالى» 44.

وقال الشيخ ناصر السعدي ما ملخصه: «الحكيم: الموصوف بكمال الحكمة وبكمال الحكم بين المخلوقات، فالحكيم هو واسع العلم، والاطّلاع على مبادئ الأمور وعواقبها، واسع الحمد، تام القدرة، غزير الرحمة، فهو الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلقه وأمره، فلا يتوجّه إليه سؤال، ولا يقدح في حكمته مقال.

وحكمته نوعان:

النوع الأول: الحكمة في خلقه؛ فإنه خلق الخلق بالحق ومشتملًا على الحق، وكان غايته والمقصود به الحق، خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتّبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللّائق به، بل أعطى كلّ جزء من أجزاء المخلوقات وكلّ عضو من أعضاء الحيوانات خلقته وهيئته، فلا يرى أحد في خلقه خللًا، ولا نقصًا.

النوع الثاني: الحكمة في شرعه وأمره، فإنه تعالى شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل ليعرفه العباد ويعبدوه، فأي حكمة أجلّ من هذا؟ وأيّ فضل وكرم أعظم من هذا، فإنّ معرفته تعالى وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص العمل له وحمده، وشكره والثّناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق، وأجلّ الفضائل لمن يمنّ الله عليه بها» 45.

وإذا نظرنا إلى اسم الله تعالى الحكيم، لوجدناه لم يأت في القرآن الكريم مفردًا قط، وإنما مقرونًا باسم آخر على نحو ما سيتضح لاحقًا.

وللعلماء كلام طيب في تفسير اسم الحكيم جل وعلا، منه قول ابن القيم: «اسم الحكيم له سبحانه من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله، ووضعه الأشياء في مواضعها، وإيقاعها على أحسن الوجوه» 46.

وقول العسكري: «وتسمية الله بأنه حكيم على وجهين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت