فهرس الكتاب

الصفحة 1095 من 2431

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5] .

والمعنى: الله تعالى وحده هو الذي جعل لكم الشمس ذات ضياء، وجعل لكم القمر ذا نور، لكي تنتفعوا بهما في مختلف شئونكم 44.

قال الجمل: «وخص الشمس بالضياء لأنه أقوى وأكمل من النور، وخص القمر بالنور لأنه أضعف من الضياء، ولأنهما إذا تساويا لم يعرف الليل من النهار، فدل ذلك على أن الضياء المختص بالشمس أكمل وأقوى من النور المختص بالقمر» 45.

قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان: 61] .

أي: جل شأن الله تعالى وتكاثرت آلاؤه ونعمه، فهو سبحانه الذي جعل في السماء (بروجا) أي: منازل للكواكب السيارة و (وجعل فيها) أي: في السماء (سراجا) وهي الشمس (وجعل فيها) أيضًا (قمرًا منيرًا) أي: قمرًا يسطع نوره على الأرض المظلمة، فيبعث فيها النور الهادي اللطيف 46.

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) } [نوح:15 - 16] .

قال الألوسى: «قوله: (وجعل القمر فيهن نورًا) أي: منورًا لوجه الأرض في ظلمة الليل، وجعله فيهن مع أنه في إحداهن- وهي السماء الدنيا- كما يقال: زيد في بغداد. وهو في بقعة منها. والمرجح له الإيجاز والملابسة بالكلية والجزئية، وكونها طباقا شفافة، (وجعل الشمس سراجًا) يزيل الظلمة، وتنوينه للتعظيم، وفي الكلام تشبيه بليغ، ولكون السراج أعرف وأقرب جعل مشبها به، ولاعتبار التعدي إلى الغير في مفهومه بخلاف النور كان أبلغ منه 47.

وقال ابن عاشور: «وفي جعل القمر نورا إيماء إلى أن ضوء القمر ليس من ذاته، فإن القمر مظلم، وإنما يستضيء بانعكاس أشعة الشمس على ما يستقبلها من وجهه، بحسب اختلاف ذلك الاستقبال من تبعض وتمام، هو أثر ظهوره هلالًا ثم بدرًا» 48.

جاء الإسلام ليصحح نظرة البشر إلى الظواهر الكونية، فبعد أن كانت في الوثنيات آلهة تعبد، أصبحت عند المسلم مخلوقات خلقها الله بقدر وحساب، لتحقق الحكمة من وجودها، ولتقوم بوظيفة خلقها، ويبقى الإنسان هو الخليفة الذي سخرت له كل هذه المخلوقات وكل هذه القوانين، وما عليه إلا أن يستخدم عقله وفكره وقدراته لتحقيق وظيفته في الكون باعتباره الخليفة السيد، ويكون ذلك على أتم صورة عندما يوظف القوانين والسنن الكونية، وعندما يلتزم القوانين والسنن التشريعية.

أولًا: منازل القمر:

قبل الحديث عن الآيات التي تحدثت عن منازل القمر، هذه لمحة سريعة عن منازل القمر:

لوحظ من القدم أن القمر في دورته حول الأرض يتحرك في كل ليلة من ليالي الشهر القمري بين ثوابت من النجوم التي يسمي كل منها منزلًا من منازل القمر، وعلى ذلك فإن عدد منازل القمر هو 28 بعدد الليالي التي يري فيها القمر، ولما كان القمر في جريه مع الأرض حول الشمس يمر عبر البروج السماوية الاثني عشر التي تمر بها الأرض فإن كل منزل من منازل القمر يحتل مكانا معينا في كل برج من هذه البروج، والقمر يقطع في كل ليلة 13 درجة تقريبا من دائرة البروج تلك، وعلى ذلك فإن البرج الواحد يقع فيه أكثر من منزل من منازل القمر، ويعتمد ذلك على مساحة البرج في السماء،

وقد تعرف العرب على منازل القمر من قبل البعثة المحمدية المباركة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وعرفوا أهميتها في تحديد الزمن، وفي إعداد التقاويم الزراعية، وسموا الشمالية منها باسم المنازل الشامية، والجنوبية منها باسم المنازل اليمانية.

قال تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39] .

المنازل جمع منزل، والمراد بها أماكن سير القمر في كل ليلة، وهي ثمان وعشرون منزلًا، تبدأ من أول ليلة في الشهر إلى الليلة الثامنة والعشرين منه، ثم يستتر القمر ليلتين إن كان الشهر تامًا، ويستتر ليلة واحدة إن كان الشهر تسعا وعشرين ليلة، والمعنى: أي: وقدرنا سير القمر في منازل، بأن ينزل في كل ليلة في منزل لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه، إذ كل شيء عندنا بمقدار 49.

وقال تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} [الانشقاق: 18] .

اتساق القمر: اجتماع ضيائه ونوره، وهو افتعال من الوسق، وهو الجمع والضم، وذلك يكون في الليلة الرابعة عشرة من الشهر، وهو منزل من منازل القمر، والمعنى: أقسم بالقمر إذا ما اجتمع نوره واكتمل ضياؤه وصار بدرًا متلألئًا 50.

ثانيًا: حساب الشهور والسنين:

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] .

الأهلة: جمع الهلال، وهو الكوكب الذي يبزغ في أول كل شهر، ويسمى هلالا لثلاث ليال أو لسبع ليال من ظهوره، ثم يسمى بعد ذلك قمرا إلى أن يعود من الشهر الثاني، والمواقيت: جمع ميقات بمعنى الوقت، وهو ما يقدر لعمل من الأعمال، وقيل: الميقات منتهى الوقت، والمعنى: يسألك بعض الناس عن الحكمة من خلق الأهلة، قل لهم يا محمد إن الله تعالى قد خلقها لتكون معالم يوقت ويحدد بها الناس صومهم، وزكاتهم، وحجهم، وعدة نسائهم، ومدد حملهن، ومدة الرضاع، وغير ذلك مما يتعلق بأمور معاشهم 51.

قال طنطاوي: «وخص الله المواقيت بالأهلة وأشهرها دون الشمس وأشهرها، لأن الأشهر الهلالية تعرف برؤية الهلال ومحاقه، وذلك ما لا يخفى على أحد من الخاصة أو العامة أينما كانوا، بخلاف الأشهر الشمسية، فإن معرفتها تنبنى على النظر في حركات الفلك وهي لا تتيسر إلا للعارفين بدقائق علم الفلك» 52.

وقال تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] .

أي: الشمس والقمر يجريان في هذا الكون بحساب دقيق في بروجهما ومنازلهما، بحيث لا يشوب جريهما اختلال أو اضطراب، وبذلك يعرف الناس السنين والشهور والأيام، ويعرفون أشهر الحج والصوم، وغير ذلك من شئون الحياة، وبهذا المعنى في قوله تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] 53.

وقال تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ حُسْبَانًا} [الأنعام: 96] .

أي: وجعل الشمس والقمر يجريان في الفلك بحساب مقدر معلوم لا يتغير ولا يضطرب حتى ينتهى إلى أقصى منازلهما بحيث تتم الشمس دورتها في سنة ويتم القمر دورته في شهر، وبذلك تنتظم المصالح المتعلقة بالفصول الأربعة وغيرها 54.

من الحقائق المقررة في عقيدتنا وفي ديننا الإسلامي أن يوم القيامة آت لا ريب فيه، وقد أقام الله عز وجل علامات تدلنا على قرب الساعة ودنو أجلها، {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} قال تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} [محمد: 18] .

ومن علامات الساعة التي قررها العلماء انشقاق القمر، هذا ما سنتناوله من خلال النقاط الآتية.

أولًا: من علامات الساعة:

قال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1] .

افتتحت سورة القمر بهذا الافتتاح الذي يبعث في النفوس الرهبة والخشية، فهو يخبر عن قرب انقضاء الدنيا وزوالها.

وقوله: {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} أي: انفصل وانفلق القمر بعضه عن بعض فلقتين معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك بمكة قبل هجرته صلى الله عليه وسلم بنحو خمس سنين، وقد رأى هذا الانشقاق كثير من الناس، وقد ذكر المفسرون كثيرا من الأحاديث في هذا الشأن، وقد بلغت الأحاديث مبلغ التواتر المعنوي.

قال الإمام ابن كثير: «وهذا أمر متفق عليه بين العلماء- أي: انشقاق القمر- فقد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وإنه كان إحدى المعجزات الباهرات» 55.

ثم ذكر رحمه الله جملة من الأحاديث التي وردت في ذلك، أخرج الإمام أحمد عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: (انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين: فرقةً على هذا الجبل، وفرقةً على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمدٌ، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم) 56.

وروى الشيخان عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين، حتى نظروا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اشهدوا) 57.

وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «وقد جعل الله انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة كما قال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} وكان انشقاقه بمكة قبل الهجرة» 58.

ثانيًا: حال القمر عند قيام الساعة

قال تعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة: 8 - 9] .

والمراد بخسوف القمر: انطماس نوره واختفاء ضوئه، والمراد بجمع الشمس والقمر اقترانهما ببعضهما بعد افتراقهما واختلال النظام المعهود للكون اختلالا تتغير معه معالمه ونظمه. وجواب فإذا قوله: ي {يَقُولُ الْإِنْسَانُ} أي: فإذا برق بصر الإنسان وتحير من شدة الفزع والخوف بعد أن رأى ما كان يكذب به في الدنيا 59.

قال ابن عاشور: «وخسوف القمر أريد به انطماس نوره انطماسا مستمرا بسبب تزلزله من مداره حول الأرض الدائرة حول الشمس بحيث لا ينعكس عليه نورها ولا يلوح للناس نيرا، وهو ما دل عليه قوله: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} .

فهذا خسوف ليس هو خسوفه المعتاد عند ما تحول الأرض بين القمر وبين الشمس. ومعنى جمع الشمس والقمر: التصاق القمر بالشمس فتلتهمه الشمس، لأن القمر منفصل من الأرض التي هي من الأجرام الدائرة حول الشمس كالكواكب، ويكون ذلك بسبب اختلال الجاذبية التي وضع الله عليها النظام الشمسي» 60.

موضوعات ذات صلة:

الآيات الكونية، السماء، الشمس، النجوم، الليل

1 مقاييس اللغة 5/ 25.

2 مختار الصحاح، الرازي، 1/ 260.

3 انظر: القاموس الوسيط، مجمع اللغة العربية، 2/ 758.

4 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص 953 - 954.

5 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 684.

6 مقاييس اللغة 5/ 396.

7 لسان العرب، ابن منظور 12/ 568.

8 الكليات ص 887.

9 انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 905.

10 لسان العرب، 1/ 720.

11 القاموس المحيط ص 131.

12 التعريفات ص 188.

13 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 793.

14 مقاييس اللغة، 6/ 11.

15 الكليات ص 963.

16 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، 2/ 992.

17 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 212، مجمل اللغة، ابن فارس 1/ 511.

18 التعريفات ص 129.

19 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، 1/ 494.

20 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 29/ 321، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 897.

21 انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 5/ 548.

22 التفسير الوسيط، 15/ 337.

23 انظر: محاسن التأويل، القاسمي، 9/ 480.

24 انظر: تفسير المراغي، 24/ 134، فتح القدير، الشوكاني، 4/ 594.

25 انظر: لباب التأويل، الخازن، 3/ 223.

26 انظر: الدر المصون، الحلبي، 8/ 245.

27 جامع الرسائل، 1/ 28.

28 مدارج السالكين 1/ 107.

29 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر بحسبان، رقم 3199، 4/ 107.

30 انظر: جامع البيان، الطبري، 21/ 473، تفسير السمرقندي، 3/ 227.

31 انظر: تفسير الشعرواي، 6/ 3749.

32 التفسير الوسيط، 5/ 110.

33 لسان العرب، ابن منظور 4/ 353.

34 انظر: نظم الدرر، البقاعي، 11/ 121.

35 انظر: تفسير الشعراوي، 7/ 4161.

36 روح المعاني، 4/ 377.

37 انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، 7/ 3890.

38 انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، 3/ 2149.

39 تاج العروس، 1/ 164.

40 المصدر السابق، 1/ 3578.

41 فتح القدير، 2/ 615.

42 أنوار التنزيل، البيضاوي، 1/ 185.

43 تفسير القرآن العظيم، 2/ 535.

44 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 358.

45 حاشية الجمل على الجلالين، 2/ 334.

46 انظر: جامع البيان، الطبري، 19/ 288.

47 روح المعاني، 29/ 75.

48 التحرير والتنوير، 29/ 204.

49 انظر: الكشاف، الزمخشري، 4/ 16.

50 انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 5/ 548.

51 انظر: جامع البيان، الطبري، 3/ 553.

وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 2/ 341.

52 التفسير الوسيط، 1/ 404.

53 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، 5/ 223.

54 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، 2/ 58.

55 تفسير القرآن العظيم، 7/ 472.

56 أخرجه أحمد في مسنده، رقم 16750، 27/ 314.

57 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب سؤال المشركين ... ، رقم 3636، 4/ 206، ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب انشقاق القمر، رقم 2800، 4/ 2158.

58 الحكم الجديرة بالإذاعة ص 10.

59 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 30/ 723.

وانظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، 5/ 401.

60 التحرير والتنوير، 29/ 345.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت