فهرس الكتاب

الصفحة 2250 من 2431

قال ابن كثير: «وفي هذا الذي قاله -يعني: ابن جريج- نظر؛ لأنه قد وعدهما أولًا بتعبيرها، ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة وسببًا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام، لما رأى في سجيتهما من قبول الخير والإقبال عليه والإنصات إليه، ولهذا لما فرغ من دعوتهما، شرع في تعبير رؤياهما، من غير تكرار سؤال» 140.

ظهر أدب يوسف عليه السلام في مخاطبتهما إذ قال في تعبيره عن الرؤى، أما أحدكما ولم يسمه؛ كي لا يحزن الآخر، وترك التحديد لفهمهما، ولوقت تحقق الرؤيا 141.

يجوز للعالم أن يخبر الناس بعلمه، لا لأجل التفاخر والمباهاة، بل ليستفيد الناس منه ومن علمه.

لا بأس بطلب العالم ممن يعلمه، القيام بخدمته وقضاء حاجاته، إن كان ذلك بمقدور المتعلم واستطاعته.

وذكر السعدي منها، أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير الرؤيا داخل في الفتوى لقوله للفتيين (ھ ھ ے ے ?) ، وقال الملك (? ? ?) ، وقال الفتى ليوسف (? ? ? ?) فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم 142.

لم يترك القرآن الكريم شيئًا من مصالح الناس إلا وقد أمر به، ولا شيئًا من مضار الناس إلا وقد نهى عنه، سواء كان ذلك نصًا، أو ضمن ألفاظ العموم.

ولهذا أجمع أهل العلم على أن مقاصد الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، ومن هذه المصالح المتعلقة بالإنسان والتي راعى القرآن الكريم وجودها في طبيعته، هي الرؤيا وتعبيرها، والتي وضع لها أصولًا معتبرة لتأويلها أخذًا من قصة إبراهيم ويوسف ونبينا محمد عليهم الصلاة والسلام، فضلًا عن باقي الرؤى الثلاث التي ذكرت في سورة يوسف.

قال ابن خلدون: «هذا العلم من العلوم الشرعية، وهو حادث في الملة، عندما صارت العلوم صنائع وكتب الناس فيها، وأما الرؤيا والتعبير لها فقد كان موجودًا في السلف كما هو في الخلف، وربما كان في الملوك والأمم من قبل، إلا أنه لم يصل إلينا للاكتفاء فيه بكلام المعبرين من أهل الإسلام، وإلا فالرؤيا موجودة في صنف البشر على الإطلاق ولا بد من تعبيرها، فلقد كان يوسف الصديق صلوات الله عليه يعبر الرؤيا كما وقع في القرآن، وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر رضي الله عنه، والرؤيا مدرك من مدارك الغيب» 143.

ومن أهم أصول وقواعد تعبير الرؤى:

الرؤى التي جاءت في القرآن الكريم محدودة جدًا منها للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم إبراهيم ويوسف ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وهم لم يطلبوا لرؤياهم تأويلًا، لاستغنائهم عنه بالوحي، وثلاث رؤى أخرى لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في سورة يوسف، وهي رؤيا ملك مصر، ورؤيا الفتيين صاحبي السجن، وهؤلاء طلبوا من نبي الله يوسف عليه السلام تأويلًا لرؤاهم، لحاجتهم لها وجهلهم بتعبيرها، بل إن يوسف عليه السلام شجعهم على ذلك ورغبهم فيه حينما قال لهما (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف:37] .

ومن هنا استحب لمن يجهل تعبير رؤياه أن يسأل عنها من يكون أهلًا للتعبير وعالمًا به.

وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على تعبير الرؤى، حينما كان يسأل أصحابه عما رأوه.

فعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه:(هل رأى أحد منكم من رؤيا؟) قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص) 144.

وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يقول لأصحابه: (من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له) 145.

قال النووي: «وفي هذا الحديث الحث على علم الرؤيا، والسؤال عنها، وتأويلها. قال العلماء: وسؤالهم محمول على أنه صلى الله عليه وسلم يعلمهم تأويلها وفضلها واشتمالها على ما شاء الله تعالى من الإخبار بالغيب» 146.

قال ابن عبد البر: «وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا وفضلها، لأنه لم يكن صلى الله عليه وسلم يقول إذا انصرف من صلاة الغداة: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا، إلا ليقصها عليه ويعبرها؛ ليتعلم أصحابه كيف الكلام في تأويلها، وذلك دليل على فضل عبارة الرؤيا وشرف علمها، وحسبك بيوسف صلى الله عليه وسلم وما أعطاه الله منها، وفي أنبياء الله أسوة حسنة صلوات الله عليهم» 147.

قال الكرماني: «رؤيا الأنبياء تنقسم قسمين: رؤيا تقع كما ترى، وذلك مثل ما رأى النبي عليه السلام أنه يدخل المسجد الحرام ومعه المؤمنون، فكان كما رأى لقوله: (? ? ? ? ? ?) [الفتح:27] الآية، ورؤيا تعبر فتقع على غير ما يرى، كرؤيا يوسف عليه السلام، وهو قوله (? ? ? ? ?) [يوسف:4] الآية، فكانت أخوة يوسف وأبويه لقوله: (ژ ژ ڑ ڑ) [يوسف:100] الآية، وبعدها (گ گ ?) ، وكانت رؤيا إبراهيم من القبيل الثاني فاحتاط، فأخذ بظاهرها وعدها من القبيل الأول فقصد ذبحه، ففداه الله، وقال: (ٹ ? ? ?) [الصافات:107] » .148

قلت: وهذا ليس محصورًا برؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل هو كذلك في رؤى غيرهم من الصالحين، فمنهم من تقع رؤياه كما رآها ولا تحتاج إلى تأويل، ومنهم من تقع رؤياه على غير ما رأى، وأما قول الكرماني بأن رؤيا إبراهيم عليه السلام من القبيل الثاني فلا نسلم به، بل الأرجح أن رؤيا إبراهيم عليه السلام من النوع الأول، ولكن الله عز وجل صرف وقوعها، لأنه ليس من المعقول على سيدنا إبراهيم أو أي نبي آخر عليهم الصلاة والسلام أن يتجرأ على قتل أحد، ولو كان ابنه، برؤيا يتأولها، والإشكال هنا ليس في أن رؤيا الأنبياء وحي، بل هو في التأويل الذي هو أقرب إلى الاجتهاد، فضلًا عن سياق الآيات، وقول ابنه إسماعيل عليه السلام (? ? ?) وهذا صريح في أنها أمر على الحقيقة، وليس تأويلًا، والله أعلم.

وقد ورد هذان القسمان في السنة النبوية كثيرًا، فمن قبيل الأول: رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها، قال صلى الله عليه وسلم: (أريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة من الحرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشفها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه) 149.

وقد أمضاه الله تعالى له عليه الصلاة والسلام.

ومن قبيل الثاني: رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم: (رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت بمهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة) وهي الجحفة 150.

إن تعبير الرؤيا علم من العلوم بنص الآيات القرآنية، ولهذا تجد بأن الإمام البخاري أفرد كتابًا في صحيحه سماه كتاب التعبير، وضمنه ثمانية وأربعين بابًا، روى فيه عشرات الأحاديث في الرؤى، وكذلك فعل مسلم في صحيحه في كتاب الرؤيا، وكذلك أصحاب السنن والمصنفات الحديثية.

قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ) [يوسف:6] : «والاجتباء اختيار معالي الأمور للمجتبى، وأصله من جبيت الشيء أي: حصلته، ومنه جبيت الماء في الحوض، قال النحاس: وهذا ثناء من الله تعالى على يوسف عليه السلام، وتعديد فيما عدده عليه من النعم التي أتاه الله تعالى، من التمكين في الأرض، وتعليم تأويل الأحاديث، وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا. قال عبد الله بن شداد بن الهاد: كان تفسير رؤيا يوسف صلى الله عليه وسلم بعد أربعين سنة، وذلك منتهى الرؤيا، وعنى بالأحاديث ما يراه الناس في المنام، وهي معجزة له، فإنه لم يلحقه فيها خطأ» 151.

قال الطبري: «وقوله: (? ٹ ٹ ٹ) يقول: ويعلمك ربك من علم ما يؤول إليه أحاديث الناس، عما يرونه في منامهم، وذلك تعبير الرؤيا» 152.

قال ابن عبد البر: «وقد أثنى الله عز وجل على يوسف بن يعقوب صلى الله عليهما، وعدد عليه فيما عدد من النعم التي آتاه: التمكين في الأرض وتعليم تأويل الأحاديث، وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، وكان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتأويلها» 153.

قال البغوي في تفسير قوله تعالى: (? ? ? ?) [يوسف:36] : «أي: العالمين بعبارة الرؤيا» 154.

ومن المعلوم أن الرؤيا الصالحة بالنسبة للأنبياء وحي، وبالنسبة لغيرهم من المؤمنين الصالحين جزء من أجزاء النبوة، إلا أنه لا ينبني عليها حكم شرعي.

قال النووي: «لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان، ولم ير الناس الهلال، فرأى إنسان النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له: الليلة أول رمضان، لم يصح الصوم بهذا المنام لا لصاحب المنام ولا لغيره، ذكره القاضي حسين في الفتاوى وآخرون من أصحابنا، ونقل القاضي عياض الإجماع عليه، وقد قررته بدلائله في أول شرح صحيح مسلم، ومختصره أن شرط الراوي والمخبر والشاهد أن يكون متيقظًا حال التحمل وهذا مجمع عليه، ومعلوم أن النوم لا تيقظ فيه ولا ضبط، فترك العمل بهذا المنام لاختلاط ضبط الراوي لا للشك في الرؤية، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي) 155. والله تعالى أعلم» 156.

ويتفرع عن هذا رؤيا الصحابة رضي الله عنهم إذا أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يعمل بها بلا خلاف، لا لأنها حجة، بل لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لها، ومن أمثلة ذلك رؤيا الآذان الذي أريه عبد الله بن زيد رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك) 157158.

قال ابن القيم: «من فهم القرآن فإنه يعبر به الرؤيا أحسن تعبير، وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من مشكاة القرآن» 159.

قال السيوطي: «واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير، مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان، وفي منامي صاحبي السجن، وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة، وسموه تعبير الرؤيا، واستنبطوا تفسير كل رؤيا من الكتاب، فإن عز عليهم إخراجها منه فمن السنة التي هي شارحة للكتاب، فإن عسر فمن الحكم والأمثال، ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم وعرف عاداتهم الذي أشار إليه القرآن بقوله: (? ?) [الأعراف:199] 160.

قال ابن عاشور: «عبر -يعني: يوسف عليه السلام- الرؤيا بجميع ما دلت عليه، فالبقرات لسنين الزراعة، لأن البقرة تتخذ للإثمار، والسمن رمز للخصب، والعجف رمز للقحط، والسنبلات رمز للأقوات، فالسنبلات الخضر رمز لطعام ينتفع به، وكونها سبعًا رمز للانتفاع به في السبع السنين، فكل سنبلة رمز لطعام سنة، فذلك يقتاتونه في تلك السنين جديدًا، والسنبلات اليابسات رمز لما يدخر، وكونها سبعًا رمز لادخارها في سبع سنين، لأن البقرات العجاف أكلت البقرات السمان، وتأويل ذلك: أن سني الجدب أتت على ما أثمرته سنو الخصب» 161.

إن الرؤيا تختلف باختلاف حال الرائي لها، وذلك أن الصالح الذاكر لله يقل سلطان الشيطان عليه في اليقظة، وقد يتلاشى وينتفي كما هو حال الأنبياء، لذلك تقع رؤاهم كلها صالحة، وكلما كان الانسان صالحًا كلما ضعف سلطان الشيطان عليه وعلى رؤياه فتقع صالحة، أما الفاسق العاصي فللشيطان سلطان عليه في اليقظة، وسلطانه عليه في النوم أشد، لانه غائب الوعي والعقل، وقد بين الله تعالى في القرآن أن للشيطان سلطانًا على الفاسقين والغافلين عن ذكر الله وطاعته فقال: (ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الزخرف:36] .

وقال تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 99 - 100] 162.

قال البغوي: «وقد يتغير التأويل عن أصله باختلاف حال الرائي، كالغل في النوم مكروه، وهو في حق الرجل الصالح قبض اليد عن الشر، وكان ابن سيرين يقول في الرجل يخطب على المنبر يصيب سلطانًا، فإن لم يكن من أهله يصلب، وسأل رجل ابن سيرين، قال: رأيت في المنام كأني أؤذن. قال: تحج. وسأله آخر، فأول بقطع يده في السرقة، فقيل له في التأويلين، فقال: رأيت الأول على سيماء حسنة، فأولت قوله سبحانه وتعالى: (? ژ) [الحج:27] .

ولم أرض هيئة الثاني، فأولت قوله عز وجل: (پ ? ? ? ? ? ?) [يوسف:70] .

وقد يرى الرجل في منامه فيصيبه عين ما رأى حقيقة من ولاية، أو حج، أو قدوم غائب، أو خير، أو نكبة، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم الفتح، فكان كذلك، قال الله سبحانه وتعالى: (? ? ? ? ? ?) [الفتح:27] ».163

قال الراغب الأصفهاني: «ومن الفراسة علم الرؤيا» 164.

وقال ابن قتيبة: «وقد تتغير الرؤيا عن أصلها، باختلاف هيئات الناس وصناعاتهم وأقدارهم وأديانهم فيكون لواحد رحمة وعلى الآخر عذابًا» 165.

قال الملا علي القاري: «والحاصل أن الرؤيا مختلفة باختلاف الرائي، فإنه قد يكون سالكًا من مسالك طريق الدنيا، وقد يكون سائرًا في مسائر صراط العقبى، فلكل تأويل يليق به ويناسب بحاله ومقامه، وهذا أمر غير منضبط، ولذا لم يجعل السلف فيه تأليفًا مستقلًا جامعًا شاملًا كافلًا لأنواع الرؤيا، وإنما تكلموا في بعض ما وقع لهم من القضايا، ولذا لم تلق معبرين يكونان في تعبيرهما لشيء متفقين» 166.

قال الإمام القرطبي عند تفسيره قوله تعالى: (? ? ? پ پ پ پ ?) [يوسف:44] : «في الآية دليل على بطلان قول من يقول: إن الرؤيا على أول ما تعبر؛ لأن القوم قالوا (? ?) ولم تقع كذلك، فإن يوسف فسرها على سني الجدب والخصب، فكان كما عبر، وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على رجل طائر فإذا عبرت وقعت» 167.

قال الشيخ عبدالله الطيار: «قلت: وكلام الإمام القرطبي رحمه الله فيه نظر؛ لأن الذي قال بأن الرؤيا على رجل طائر فإذا عبرت وقعت هو النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت) قال الراوي: وأحسبه قال: (لا يقصها إلا على واد، يعني: محب، أو ذي رأي) » 168169.

قلت: والعجيب أن الإمام القرطبي ذكر هذه الرواية في تفسير السورة نفسها، وذكر تخريجها أيضًا، وعرف باسم الراوي! فالعجب كيف وقع في مثل هذا؟! فقال عند تفسير قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [يوسف:5] : «هذه الآية أصل في ألا نقص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها، روى أبو رزين العقيلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرؤيا جزء من أربعين جزءًا من النبوة) . و (الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدث بها صاحبها، فإذا حدث بها وقعت، فلا تحدثوا بها إلا عاقلًا أو محبًا أو ناصحًا) أخرجه الترمذي وقال فيه: حديث حسن صحيح، وأبو رزين اسمه لقيط بن عامر» 170.

قال ابن كثير: «ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر» 171.

قال ابن قتيبة: «قالوا: كيف تكون الرؤيا على رجل طائر؟ وكيف تتأخر عما تبشر به أو تنذر منه بتأخر العبارة لها، وتقع إذا عبرت؟ وهذا يدل على أنها إن لم تعبر لم تقع.

قال أبو محمد: ونحن نقول: إن هذا الكلام خرج مخرج كلام العرب وهم يقولون للشيء، إذا لم يستقر: هو على رجل طائر وبين مخاليب طائر، وعلى قرن ظبي، يريدون: أنه لا يطمئن ولا يقف، وكذلك الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، يراد أنها تجول في الهواء حتى تعبر، فإذا عبرت وقعت.

ولم يرد أن كل من عبرها من الناس وقعت كما عبر، وإنما أراد بذلك العالم بها، المصيب الموفق.

وكيف يكون الجاهل المخطئ في عبارتها لها عابرًا، وهو لم يصب ولم يقارب؟ وإنما يكون عابرًا لها إذا أصاب.

يقول الله عز وجل: (? ? ? ?) [يوسف:43] .

يريد: إن كنتم تعلمون عبارتها.

ولا أراد أن كل رؤيا تعبر وتتأول؛ لأن أكثرها أضغاث أحلام، فمنها ما يكون عن غلبة الطبيعة، ومنها ما يكون عن حديث النفس، ومنها ما يكون من الشيطان.

وإنما تكون الصحيحة، التي يأتي بها الملك، ملك الرؤيا عن نسخة أم الكتاب، في الحين بعد الحين» 172.

قال البغوي: «واعلم أن تأويل الرؤيا ينقسم أقسامًا، فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب، أو من جهة السنة، أو من الأمثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضد والقلب» 173.

قال البغوي: «فالتأويل بدلالة القرآن، كالحبل يعبر بالعهد، لقوله سبحانه وتعالى: (? ? ?) [آل عمران:103] .

والسفينة تعبر بالنجاة، لقوله سبحانه وتعالى: (? ? ?) [العنكبوت:15] .

والخشب يعبر بالنفاق، لقوله عز وجل: (? ? ?) [المنافقون:4] .

والحجارة تعبر بالقسوة، لقوله جل ذكره: (? ں ں ? ?) [البقرة:74] .

والمريض بالنفاق، لقوله تبارك وتعالى: (? ? ?) [البقرة:10] .

والبيض يعبر بالنساء، لقوله سبحانه وتعالى: (? ? ? ?) [الصافات:49] .

وكذلك اللباس، لقوله سبحانه وتعالى: (پ ? ?) [البقرة:187] .

واستفتاح الباب يعبر بالدعاء، لقوله سبحانه وتعالى: (? ?) [الأنفال:19] . أي: تدعوا.

والماء يعبر بالفتنة في بعض الأحوال، لقوله عز وجل: (ٹ ٹ ٹ ? ? ?) [الجن:16 - 17] .

وأكل اللحم النيء يعبر بالغيبة، لقوله سبحانه وتعالى: (? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [الحجرات:12] .

ودخول الملك محلة، أو بلدة، أو دارًا تصغر عن قدره، وينكر دخول مثله مثلها، يعبر بالمصيبة والذل ينال أهلها، لقوله تبارك وتعالى: (? ? ? ? ? ?) [النمل:34] ».174

قال البغوي: «وأما التأويل بدلالة الحديث كالغراب يعبر بالرجل الفاسق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه فاسقًا.

والفأرة يعبر بالمرأة الفاسقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها فويسقة.

والضلع يعبر بالمرأة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع أعوج) 175.

والقوارير تعبر بالنساء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (يا أنجشة، رويدك سوقًا بالقوارير) » 176177.

قال البغوي: «والتأويل بالمعنى كالأترج يعبر بالنفاق، لمخالفة باطنه ظاهره، إن لم يكن في الرؤيا ما يدل على المال.

وكالورد والنرجس يعبر بقلة البقاء إن عدل به عما ينسب إليه، لسرعة ذهابه.

ويعبر الآس بالبقاء؛ لأنه يدوم.

حكي أن امرأة سألت معبرًا بالأهواز: إني رأيت في المنام كأن زوجي ناولني نرجسا، وناول ضرة لي آسا.

فقال: يطلقك ويتمسك بضرتك، أما سمعت قول الشاعر:

ليس للنرجس عهد

إنما العهد لآس» 178.

قال السعدي: «وإن أغلب ما تبنى عليه، أي: الرؤيا، المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة، فإن رؤيا يوسف التي رأى فيها الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا له ساجدين، وجه المناسبة فيها أن هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها وبها منافعها.

فكذلك الأنبياء والعلماء، زينة الأرض وجمالها، وبهم يهتدى في الظلمات، كما يهتدى بهذه الأنوار.

ولأن الأصل أبوه وأمه وإخوته هم الفرع، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورًا وجرمًا لما هو فرع عنه، فلذلك كانت الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته.

ومن المناسبة أن الشمس لفظ مؤنث، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكرات فكانت لأبيه وإخوته.

ومن المناسبة أن الساجد معظم محترم للمسجود له، والمسجود معظم محترم، فلذلك دل ذلك على أن يوسف يكون معظمًا ومحترمًا عند أبويه وإخوته، ومن لازم ذلك أن يكون مجتبى مفضلًا في العلم والفضائل الموجبة لذلك. ولذلك قال أبوه: (? ? ? ? ٹ ٹ ٹ) [يوسف:6] .

ومن المناسبة في رؤيا الفتيين، أن الرؤيا الأولى، التي رأى صاحبها أنه يعصر خمرًا، أن الذي يعصر خمرًا في العادة، يكون خادمًا لغيره، والعصر يقصد لغيره، فكذلك أوله بما يؤول إليه، أنه يسقي ربه، وذلك متضمن لخروجه من السجن.

وأول رؤيا الآخر: أي أنه يحمل فوق رأسه خبزًا، تأكل الطير منه، بأن جلدة رأسه ولحمه وما في ذلك من المخ، أنه هو الذي يحمل، وأنه سيبرز للطير بمحل تتمكن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنه سيقتل ويصلب بعد موته فيبرز للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت