أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (قتل) تدل على إذلالٍ وإماتةٍ. وهما معنيان متقاربان 1.
وقال الراغب الأصفهاني: «أصل القتل إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إن اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال: قتلٌ، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موتٌ. يقال: قتله قتلًا وتقتالًا. وقاتله مقاتلةً وقتالًا. والقتلة -بالكسر- الحال أو الهيئة التي يقتل عليها، يقال: قتله قتلة سوء. والقتلة -بالفتح- المرة الواحدة. والقتلى: جمع قتيل، على وزن فعيل بمعنى مفعول للمفرد المذكر والمؤنث» 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
من المعلوم أن هناك فرقًا في الدلالة والحكم بين القتل والقتال، وقد بين ذلك الفرق بجلاء الشيخ الإمام محمد الصالح العثيمين رحمه الله، وذلك بقوله: «القتل أخص من القتال؛ فهناك فرق بين القتل والقتال، فليس كل من جاز قتاله جاز قتله، ولهذا نقاتل إحدى الطائفتين المقتتلتين حتى تفيء إلى أمر الله، مع أنها مؤمنة لا يحل قتلها. أما القتل فليس يلزم منه مقاتلة الجميع، فقد يكون واحدٌ من هؤلاء يستحق القتل فنقتله ولا نقاتل الجميع، فتبين بهذا أنه لا تلازم بين القتال والقتل، وأن جواز القتال أوسع من جواز القتل؛ لأن القتل لا يكون إلا في أشياء معينة» 3.
ومن هذا التفريق الدقيق بين المصطلحين يتبين دقة تعريف الإمام أبي بكر ابن العربي رحمه الله في قوله: «هو الصد عن الشيء بما يؤدي إلى القتل» 4.
وتستعمل كلمة: (القتال) اصطلاحًا بمعنى كلمة: (الجهاد) في اصطلاح الفقهاء، وهو قتال الكفار بالبدن، وإذا أطلقت كلمة الجهاد فلا يراد بها إلا هذا المعنى عندهم 5.
وردت مادة (قتل) في القرآن الكريم (170) مرة 6، يخص موضوع البحث منها (71) مرة.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 16 ... {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ} [الفتح:22]
الفعل المضارع ... 28 ... {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} [التوبة:13]
فعل الأمر ... 14 ... {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) } [المائدة:24]
المصدر ... 13 ... {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) } [الأحزاب:25]
وجاء القتال في القرآن الكريم بمعنى: المقاتلة والمحاربة بين اثنين 7.
الجهاد:
الجهاد لغة:
الجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب، أو اللسان، أو ما أطاق من شيءٍ، والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود 8.
الجهاد اصطلاحًا:
الجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو 9، وزاد بعضهم وغلب استعماله شرعا في الدعوة إلى الدين الحق 10.
الصلة بين الجهاد والقتال:
الجهاد أشمل من القتال من وجوه، أهمها: أن الجهاد يغلب عليه جهاد الحق ضد الباطل والقتال قد يكون من الحق على الباطل والعكس، وأن الجهاد مراتبه أربع، وهي: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد المنافقين، وجهاد الكافرين، والقتال يكون بالسلاح ضد الكفار.
الحرب:
الحرب لغةً:
الحرب: نقيض السلم، ورجل محرب أي: شجاع، وفلان حرب فلان أي: يحاربه، وحربته تحريبًا أي: حرشته على إنسان فأولع به وبعداوته 11.
الحرب اصطلاحًا:
«دفع بشدة عن اتساع المدافع بما يطلب منه الخروج؛ فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد مستطاع» 12.
الصلة بين الحرب والقتال:
القتال قد يقتضي هجومًا فتكون المقاتلة، وقد يقتضي الدفاع فتكون المقاتلة أيضًا، وهذا بخلاف الحرب؛ الذي هو تكتيك إداري حينما يتطلب الدفع بشدة لاتساع المدافع بما يطلب منه الخروج.
البأس:
البأس لغةً:
يطلق على العذاب، والشدة في الحرب، يقال: بؤس، ككرم 13.
البأس اصطلاحًا:
الشدة على العدو وغلبته في الحرب.
الصلة بين البأس والقتال:
البأس هو ناتج عن الحرب، التي هي جزء لا يتجزأ من مفهوم القتال.
جاء تشريع القتال تحقيقًا للحكمة الربانية في مواجهة الواقع الذي عاصره النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه -رضوان الله تعالى عليهم- بأحكام مرحلية تواجه كل مرحلة بما تتطلبها وبما يتفق مع قدرة المسلمين وعلاقتهم مع الأعداء.
فقد نزل الأمر بالقتال مرتبًا متدرجًا وفق خطوات الإعداد التربوي لهذه الأمة التي حملها الله تعالى مسؤولية إبلاغ هذا الدين للعالمين. فقد كان القتال ممنوعًا في أول الإسلام، ثم صار مأذونًا فيه ردًا للعدوان، ثم مأذونًا فيه للدفاع عن النفس، ثم مأمورًا به أمرًا عامًا مطلقًا.
وقد أجمل العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله مراحل تشريع القتال بكلمات جامعة دقيقة في كتابه «زاد المعاد» فعقد فيه فصلًا بعنوان «ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل» قال فيه:
-أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى: أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ. ثم أنزل عليه: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُھ) . فنبأه بقوله: (اقرأ) وأرسله بـ (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) . ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين. فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح.
-ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله.
-ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله.
-ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة؛ وأهل حرب؛ وأهل ذمة.
فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده.
ولما نزلت: (سورة براءة) نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمره فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان 14.
لذلك يتناول هذا المبحث التطور التاريخي للمراحل التي شرع فيها القتال. ويمكن أن نجملها بأربعة مراحل:
أولًا: مرحلة الكف عن القتال
بدأ الوحي يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن فاجأه جبريل عليه السلام بقوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق:1] .
ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ الرسالة والدعوة. ثم أمره الله سبحانه وتعالى بتبليغ الرسالة وإنذار قومه بقوله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ?1?قُمْ فَأَنْذِرْ ?2?) [المدثر:1 - 2] .
فبدأ بدعوة أهل بيته، ثم بدعوة عشيرته الأقربين وقومه بالحسنى والموعظة، وأمره مع ذلك بالصفح والإعراض عن المشركين، فقال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [الحجر: 94] .
وقال سبحانه وتعالى: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ?85?إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ?86?) [الحجر: 85 - 86] .
ثم أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالدعاء إلى الدين بالوعظ والمجادلة بالأحسن فقال تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ? وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَ?هُنَا وَإِلَ?هُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [العنكبوت: 46] .
وقال: (ادْعُ إِلَى? سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ? وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل: 125] .
وفي هذه المرحلة -ويمكن أن نقول في هاتين المرحلتين المتصلتين في مكة المكرمة- لم يكن هناك أمر بقتال دفعًا أو هجومًا. ولذلك قال الإمام أبو بكر الرازي الجصاص: «لم تختلف الأمة أن القتال كان محظورًا قبل الهجرة» 15.
ويدل على هذا قوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة: 13] .
وقوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان: 63] .
وقوله تعالى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ? وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ? فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ? وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ? وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 20] .
وقوله تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ? ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ?34?وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ?35?) [فصلت: 34 - 35] .
ولكن كبر على المشركين ما يدعوهم إليه، فناصبوه العداء، وتفننوا في صنوف الإيذاء والبلاء، يصبونهما على المؤمنين، حتى وصل بهم الأمر أن يتآمروا على النبي صلى الله عليه وسلم لتصفيته جسديًا.
كل هذا والقرآن الكريم يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بالصبر والصفح والكف، ولم يأذن له بقتال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا) [النساء: 77] .
ولما قال عبدالرحمن بن عوف وأصحاب له: (يا رسول الله كنا في عزة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلاء! فقال عليه الصلاة والسلام:(إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم) 16.
وقد كانت نفوس بعض المسلمين تتشوف إلى الإذن بالجهاد ليميلوا على المشركين ميلة واحدة وليدفعوا عن أنفسهم العدوان الواقع عليهم؛ فقد قال العباس بن عبادة بن نضلة ليلة بيعة العقبة: (والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منىً غدًا بأسيافنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم) 17.
قال الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي رحمه الله: «كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة، منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقًا. فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة، لما صارت لهم دارٌ ومنعة وأنصار» 18.
ويقف الأستاذ سيد قطب رحمه الله عند آية سورة النساء يتلمس حكمة هذا الموقف، والأمر بالكف عن القتال، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والصبر والاحتمال حتى وبعض المسلمين يلقى من الأذى والعذاب ما لا يطاق، وبعضهم يتجاوز العذاب طاقته فيفتن عن دينه. وبعضهم لا يحتمل الاستمرار في العذاب فيموت تحت وطأته يقول قولة المؤمن الذي يتحرز عن الجزم فيما لا يمكن الجزم به لئلا يقول على الله بغير علم، فحسبه أن يشير إلى ما يراه من حكمة ثم يكل العلم الحقيقي إلى الله تعالى.
أما حكمة هذا: فلسنا في حلٍ من الجزم بها؛ لأننا حينئذ نتألى على الله ما لم يبين لنا من حكمة، ونفرض على أوامره أسبابًا وعللًا، قد لا تكون هي الأسباب والعلل الحقيقية، أو قد تكون ولكن يكون وراءها أسباب وعلل أخرى لم يكشف لنا عنها، ويعلم سبحانه أن فيها الخير والمصلحة.
وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكة وفرضيته في المدينة نذكر ما يتراءى لنا من حكمة وسبب على أنه مجرد احتمال وندع ما وراءه لله، لا نفرض على أمره أسبابًا وعللًا، لا يعلمها إلا هو ولم يحددها هو لنا ويطلعنا عليها بنص صريح! إنها أسباب اجتهادية تخطئ وتصيب، وتنقص وتزيد، ولا نبغي بها إلا مجرد تدبر أحكام الله، وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان:
-ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد في بيئة معينة، لقوم معينين، وسط ظروف معينة.
-وربما كان ذلك أيضًا، لأن الدعوة السلمية أشد أثرًا وأنفذ، في مثل بيئة قريش ذات العنجهية والشرف والتي قد يدفعها القتال معها -في مثل هذه الفترة- إلى زيادة العناد وإلى نشأة ثارات دموية جديدة.
-وربما كان ذلك أيضًا، اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت، فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة، هي التي تعذب المؤمنين وتفتنهم، إنما كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد، يعذبونه هم ويفتنونه و «يؤدبونه» ! ومعنى الإذن بالقتال -في مثل هذه البيئة- أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت، ثم يقال: هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في الموسم، في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة: إن محمدًا يفرق بين الوالد وولده فوق تفريقه لقومه وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل الولي في كل بيت وكل محلة؟
-وربما كان ذلك أيضًا، لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم، ويعذبونهم ويؤذونهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص، بل من قادته ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟!
-وربما كان ذلك، أيضًا، لأن النخوة العربية، في بيئة قبلية، من عادتها أن تثور للمظلوم، الذي يحتمل الأذى، ولا يتراجع! وبخاصة إذا كان الأذى واقعا على كرام الناس فيهم وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة -في هذه البيئة - فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر -وهو رجل كريم- يهاجر ويخرج من مكة، ورأى في ذلك عارًا على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته.
-وربما كان ذلك أيضًا، لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة، حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة. أو بلغت أخبارها متناثرة حيث كانت القبائل تقف على الحياد، من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها، حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف.
-في الوقت ذاته لم يكن هناك ضرورة قاهرة ملحة، لتجاوز هذه الاعتبارات كلها، والأمر بالقتال ودفع الأذى. لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائمًا -وقتها- ومحققًا، هذا الأمر الأساسي هو «وجود الدعوة» 19.
ثانيًا: مرحلة الإذن بالقتال:
أذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، وبدأ بتأسيس المجتمع الإسلامي الجديد فيها، وبدأ عهدٌ للإسلام مجيد. ومع هذا لم يشرع القتال في أول العهد بالمدينة، وإنما كان هناك أيضًا أمرٌ بالكف والصبر الجميل، وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود من أهلها ومن بقي على الشرك من العرب فيها وفيما حولها، معاهدة عرفت بصحيفة المدينة 20.
ولعل الحكمة في عدم القتال في أول العهد في المدينة تظهر أيضًا -علاوة على ما سبق- في أمرين:
الأول: لأن هناك مجالًا للتبليغ والبيان، لا تقف له سلطة سياسية تمنعه وتحول بين الناس وبينه، فقد اعترف الجميع بالدولة المسلمة الجديدة وبقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تصريف شؤونها السياسية. فنصت المعاهدة على ألا يعقد أحد منهم صلحًا ولا يثير حربًا، ولا ينشئ علاقة خارجية إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان واضحا أن السلطة الحقيقية في المدينة في يد القيادة المسلمة، فالمجال أمام الدعوة مفتوح، والتخلية بين الناس وحرية الاعتقاد قائمة.
الثاني: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يريد التفرغ -في هذه المرحلة- لقريش التي تقوم معارضتها لهذا الدين حجر عثرة في وجه القبائل الأخرى الواقفة في حالة انتظار لما ينتهي إليه الأمر بين قريش وبعض بنيها 21!
ولكن هذا الموقف كان مما زاد في عناد المشركين وزاد في كيدهم وعدوانهم وتآمرهم. وعند ذلك أذن الله تعالى للمسلمين بالقتال دفعًا، فقال سبحانه وتعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ? وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى? نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ?39?الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ? وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ? وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ? إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ?40?الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ?41?) [الحج: 39 - 41] .
فكانت هذه الآية الكريمة أول آية نزلت في الجهاد -كما قال غير واحد من العلماء- فيها إذنٌ بالقتال لدفع العدوان ورده عن المؤمنين، لم يكن فيها وجوبٌ ولا أمرٌ.
ونقل الإمام محيي السنة البغوي 22 عن المفسرين في هذه الآية أنهم قالوا: «كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يزالون محزونين من بين مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية 23. وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال، فنزلت هذه الآية بالمدينة. وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة، فكانوا يمنعون فأذن الله لهم في قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة» .
ثالثًا: مرحلة القتال دفاعًا:
ثم فرض الله تعالى القتال على المسلمين بعد ذلك إذا كانت البداية من الكفار، فأوجب الله تعالى قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم. فقال الله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [البقرة: 190] .
قال الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري رحمه الله: «اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية: فقال بعضهم: هذه الآية هي أول آية نزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك. وقالوا: أمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين، والكف عمن كف عنهم، ثم نسخت بـ «براءة» 24.
فعن الربيع قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من يقاتله، ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت «براءة» .
وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من الله تعالى ذكره للمسلمين بقتال الكفار، لم ينسخ. وإنما الاعتداء الذي نهاهم الله عنه، هو نهيه عن قتل النساء والذراري. قالوا: والنهي عن قتلهم ثابتٌ حكمه اليوم، فلا شيء نسخ من حكم هذه الآية. فعن يحيى بن يحيى الغساني، قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن قوله: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» ، قال: فكتب إلي: «إن ذلك في النساء والذرية ومن لم ينصب لك الحرب منهم» .
ثم قال رحمه الله: «وأولى هذين القولين بالصواب، القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز؛ لأن دعوى المدعي نسخ آيةٍ يحتمل أن تكون غير منسوخة، بغير دلالةٍ على صحة دعواه، تحكمٌ. والتحكم لا يعجز عنه أحد» 25.
فلم يأمر الله تعالى المسلمين بقتال من طلب مسالمتهم ولا من هادنهم، قال سبحانه وتعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ?61?) [الأنفال: 61] .
وينطوي في هذه المرحلة الأمر بالقتال في بعض الأزمنة والأمكنة دون غيرها:
فقد أمر الله تعالى بالقتال بشرط انسلاخ الأشهر الحرم، كما قال تعالى: فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ? فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5 ) ) [التوبة: 5] .
وقد اختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم؛ فقال قوم: كان كبيرًا ثم نسخ بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: 36] .
كأنه يقول: فيهن وفي غيرهن. وهو قول قتادة، وعطاء الخراساني، والزهري، وسفيان الثوري، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين، وثقيفًا بالطائف، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة.
وقال آخرون: إنه غير منسوخ. قال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي رباح: ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا أن يقاتلوا فيها، وما نسخت 26.
ونهى عن القتال عند المسجد الحرام فقال: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ? وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ? وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى? يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ? فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ? كَذَ?لِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ?191?) [البقرة: 191] .
قال محيي السنة البغوي: «وكان هذا في ابتداء الإسلام، كان لا يحل بدايتهم بالقتال في البلد الحرام، ثم صار منسوخًا بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) [الأنفال: 39] .
هذا قول قتادة. وقال مقاتل بن حيان: قوله (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) أي حيث أدركتموهم في الحل والحرم، صارت هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى? يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) ثم نسختها آية السيف في براءة، فهي ناسخة منسوخة. وقال مجاهد وجماعة: هذه الآية محكمة، ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم» 27.
رابعًا: مرحلة القتال مطلقًا:
ثم أمر الله تعالى المسلمين بالقتال مطلقًا للمشركين كافة، إذ هم يقاتلونهم كافة.
فقال الله تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ? وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ? وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى? يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ? فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ? كَذَ?لِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(191 ) ) فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ? فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) [البقرة: 191 - 193] .
وقال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 244] .
وقال تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ? إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ?12?أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ? أَتَخْشَوْنَهُمْ ? فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?13?قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ?14?) [التوبة: 12 - 15] .
وقال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى? يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(29 ) ) [التوبة: 29] .
وقال سبحانه وتعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [التوبة: 36] .
فكانت هذه المرحلة الأخيرة التي استقر عليها أمر الجهاد، إذ إن سورة التوبة -وفيها آية السيف أو آية الجزية- من أواخر القرآن الكريم نزولًا 28.
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي: «فأمر بقتال المخالفين لدين الإسلام كافة، حتى لا يكون دين إلا دين الله تعالى الذي تعبد به عباده» 29.