فهرس الكتاب

الصفحة 1164 من 2431

وذكر في المرتبة الرابعة؛ لأنه ليس ضروريًا وإنما جمع بين مختلف الطعوم والإحساسات الذوقية المرغوبة، ولا شك أن الحلو أطيب الطعوم، والعسل أرقاها، وفيه فوائد كثيرة للجسد: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] .

ففيه الشفاء في الدنيا بعد المشروب والمطعوم، وفيه الخير في الآخرة.

وفي ذكر هذه الأجناس الأربعة، إطناب بتكرار لفظ أنهارٌ، وتشويق لنعيم الجنة، وجمع بين الضرورة (الماء) والحاجة (اللبن) والمتعة (الخمر غير المسكرة) والعلاج النافع (العسل) 138.

وقد يكون ذكر هذه الأربعة جمعًا بين ما تشتهيه كل الأذواق من الناس، ليكتمل لأهل الجنة كل شراب يشتهى.

ويورد ابن كثير حديث الإمام أحمد بسنده عن حكيم بن معاوية عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد) 139.

وفي الصحيح أشار النبي صلى الله عليه وسلم مرغبا أمته في العمل على طلب الجنة وأنهارها فقال: (إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن) 140.

والمعنى العام للآية: مثل الجنة الموعودة للمؤمنين، وشأنها العجيب ما يتلى عليكم من جلائل النعم، في هذه الجنة أنهار من الماء النقي المتجدد الذي لم يداخله كدر، ولم يلحقه تغير في لون أو طعم لطول مكثه، وأنهار من لبن لم تطرأ عليه حموضة ولم يستكره له طعم، كما يحدث في ألبان الدنيا، وأنهار من خمر لذيذ الطعم مستساغ المذاق، ليس فيها كراهية ريح، ولا غائلة سكر، ولا يجد شاربها إلا اللذة والمتعة، وأنهار من عسل خالص صرف مصفى من الشمع، ومن جميع الشوائب وفضلات النحل، وفيها غير هذا من كل الثمرات، وأصناف المطعومات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وكل ذلك من الوفرة والكثرة بحيث لا يخاف منه حرمان، ولا إقلال ولهم قبل هذا مغفرة واسعة من ربهم تمحو ذنوبهم، وترفع درجاتهم 141.

من أنهار الدنيا في الجنة:

وإذا كان بعض المفسرين يرى أن أنهار الجنة هذه، التي ذكرت في الآية الكريمة، وصفت على سبيل التشبيه، فبعضهم يرى أن أنهار الماء حقيقة، وأنهار اللبن والعسل والخمر على طريقة التشبيه البليغ أو المماثلة.

قال أبو حيان الأندلسي: «ويظهر أن القصد بالتمثيل هو إلى الشيء الذي يتخيله المرء عند سماعه. فههنا كذا، فكأنه يتصور عند ذلك اتباعًا على هذه الصورة، وذلك هو مثل الجنة» 142.

وقال ابن عاشور: «فأما إطلاق الأنهار على أنهار الماء فهو حقيقةٌ، وأما إطلاق الأنهار على ما هو من لبنٍ وخمرٍ وعسلٍ فذلك على طريقة التشبيه البليغ، أي: مماثلةٌ للأنهار، فيجوز أن تكون المماثلة تامةً في أنها كالأنهار مستبحرةٌ في أخاديد من أرض الجنة، فإن أحوال الآخرة خارقةٌ للعادة المعروفة في الدنيا، فإن مرأى أنهارٍ من هذه الأصناف مرْأى مبهجٌ. ويجوز أن تكون مماثلة هذه الأصناف للأنهار في بعض صفات الأنهار وهي الاستبحار. وهذه الأصناف الخمسة المذكورة في الآية كانت من أفضل ما يتنافسون فيه ومن أعز ما يتيسر الحصول عليه، فكيف الكثير منها، فكيف إذا كان منها أنهارٌ في الجنة» 143.

أقول: ومع ذلك فإن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم دلنا بوضوح على أنه في الدنيا أنهار من أنهار الجنة.

فقد ذكر البغوي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيحان وجيحان والنيل والفرات كلٌ من أنهار الجنة) 144.

كما أورد القرطبي قول كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر 145.

وهذا الكلام أقصد قول كعب الذي أورده القرطبي له علاقة بالحديث الصحيح قبله، وإن كان آخره وهو خروج هذه الأنهار من نهر الكوثر لم أعثر له على أثر، والله أعلم.

المثل في الأدب: قول محكي سائر، يقصد به تشبيه حال الذي حكي فيه بحال الذي قيل لأجله، أي: يشبه مضربه بمورده.

ويطلق المثل على الحال والقصة العجيبة الشأن. وبهذا المعنى فسر لفظ المثل في كثير من الآيات. كقوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمد: 15] .

أي: قصتها وصفتها التي يتعجب منها 146.

وضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمورٌ كثيرةٌ، منها: التذكير والوعظ، والحث والزجر، والاعتبار والتقرير، وترتيب المراد للعقل، وتصويره في صورة المحسوس، بحيث يكون نسبته للفعل كنسبة المحسوس إلى الحس.

وتأتي أمثال القرآن مشتملةً على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر.

قال تعالى ممتنًا على عباده بضرب الأمثال لما تضمنته من فوائد: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الروم: 58] .

وقال أيضًا: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } [العنكبوت: 43] 147.

وذكر الله المثلين: المائي والناري-في سورة الرعد للحق والباطل. فقال تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) } [الرعد: 17] .

شبه الوحي الذي أنزله من السماء لحياة القلوب بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات، وشبه القلوب بالأودية، والسيل إذا جرى في الأودية احتمل زبدًا وغثاء، فكذلك الهدى والعلم إذا سرى في القلوب أثار ما فيها من الشهوات ليذهب بها، وهذا هو المثل المائي في قوله: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} وهكذا يضرب الله الحق والباطل 148.

وهذا المثل مضروب لمن عمل عملًا لوجه الله تعالى من صدقة أو غيرها، ثم عمل أعمالًا تفسده، فمثله كمثل صاحب هذا البستان الذي فيه من كل الثمرات، وخص منها النخل والعنب لفضلهما وكثرة منافعهما، لكونهما غذاء وقوتًا وفاكهة وحلوى، وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة، وكان صاحبها قد اغتبط بها وسرته 149.

ثم إنه أصابه الكبر فضعف عن العمل وزاد حرصه، وكان له ذرية ضعفاء ما فيهم معاونة له، بل هم كل عليه، ونفقته ونفقتهم من تلك الجنة، فبينما هو كذلك إذ أصاب تلك الجنة إعصار، وهو الريح القوية التي تستدير ثم ترتفع في الجو، وفي ذلك الإعصار نار، فاحترقت تلك الجنة، فلا تسأل عما لقي ذلك الذي أصابه الكبر من الهم والغم والحزن، فلو قدر أن الحزن يقتل صاحبه لقتله الحزن، كذلك من عمل عملًا لوجه الله فإن أعماله بمنزلة البذر للزروع والثمار، ولا يزال كذلك حتى يحصل له من عمله جنة موصوفة بغاية الحسن والبهاء، وتلك المفسدات التي تفسد الأعمال بمنزلة الإعصار الذي فيه نار، والعبد أحوج ما يكون لعمله إذا مات، وكان بحالة لا يقدر معها على العمل، فيجد عمله الذي يؤمل نفعه هباء منثورًا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب، فلو علم الإنسان وتصور هذه الحال وكان له أدنى مسكة من عقل، لم يقدم على ما فيه مضرته ونهاية حسرته، ولكن ضعف الإيمان والعقل وقلة البصيرة يصير صاحبه إلى هذه الحالة، التي لو صدرت من مجنون لا يعقل لكان ذلك عظيمًا وخطره جسيمًا، فلهذا أمر تعالى بالتفكر وحث عليه 150.

ومن الأمثال التي لها صلة بالأنهار في القرآن قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) } [الرعد: 35] .

يقول تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} الذين تركوا ما نهاهم الله عنه، ولم يقصروا فيما أمرهم به، أي: صفتها وحقيقتها {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أنهار العسل، وأنهار الخمر، وأنهار اللبن، وأنهار الماء التي تجري في غير أخدود، فتسقى تلك البساتين والأشجار فتحمل من جميع أنواع الثمار. {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} دائم أيضًا، {تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا} أي: عاقبتهم ومآلهم التي إليها يصيرون، {وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} فكم بين الفريقين من الفرق المبين؟!! 151.

كذلك من الأمثال التي لها صلة بالأنهار قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) } [الكهف: 32 - 33] .

وتصوير المثل كما حكى القرآن:

واضرب أيها الرسول مثلًا لهؤلاء المشركين بالله الذين طلبوا منك طرد المؤمنين من مجلسك، ذلك المثل هو حال رجلين، جعل الله لأحدهما جنتين، أي: بستانين من أعناب، محاطين بنخيل، وفي وسطهما الزروع والأشجار المثمرة. {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} أي: أخرجت ثمارها، ولم تنقص منه شيئًا في كل عام.

{وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} أي: وشققنا وسط الجنتين نهرًا، تتفرع عنه عدة جداول، لسقي جميع الجوانب 152.

ويورد ابن الجوزي في مورد المثل رواية عطاء عن ابن عباس، قوله: هما ابنا ملك كان في بني إسرائيل، توفي وتركهما، فاتخذ أحدهما الجنان والقصور، وكان الآخر زاهدًا في الدنيا، فكان إذا عمل أخوه شيئًا من زينة الدنيا، أخذ مثل ذلك فقدمه لآخرته، حتى نفد ماله، فضربهما الله عز وجل مثلًا للمؤمن والكافر الذي أبطرته النعمة 153.

إذن فقد وردت الأنهار في المثل القرآني في أكثر من موضع، للمقابلة بين الحق والباطل في المثل المائي والناري، وللتذكير والوعظ في النهر الذي فجره الله وسط الجنتين، وللتشويق إلى أنهار الجنة، وللاعتبار والتقرير والثبات على الإيمان، وغير ذلك.

الابتلاء وسيلة تمييز الصفوف وتمحيص القلوب؛ جعله سنة ماضية، فحمل الأمانة لا يصلح له كل الناس، بل يحتاج إلى قوم مختارين، وهم الصفوة الذين يعدون لهذا الأمر إعدادًا خاصًا ليحسنوا القيام به.

ومن النتائج المترتبة على سنة الابتلاء لاحقًا: سنة التمحيص، فالمؤمن من جهة يتعرض للمحنة، فيصقل معدنه من أثرها، والمنافق من جهة ثانية لا يستطيع الصمود أمام الفتنة، فينكص على عقبيه؛ ولهذا جعل الله التمحيص معبرًا لتنقية الصف المؤمن من أدعياء الإيمان، فيقع به التمييز بين الدر الثمين والخرز الخسيس.

قال تعالى {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] .

وقوله تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] .

وقد أدرك أهل العلم والبصيرة هذه الحقيقة؛ فعندما سئل الإمام الشافعي رحمه الله: أيما أفضل للرجل: أن يمكن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكن حتى يبتلى.

أولًا: ابتلاء الله لجنود طالوت بالنهر:

من حوادث الابتلاء المتعلقة بالأنهار: ما ذكره القرآن الكريم من ابتلاء الله عز وجل بني إسرائيل بالنهر وعدم الشرب منه، والقصة بدأت عندما طلبوا من نبيهم القتال، وأن يبعث لهم ملكًا يقاتلون معه؛ لرفع الظلم الواقع عليهم.

وفي ذلك يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) } [البقرة: 246] .

وهذه القصة حدثت بعد وفاة موسى عليه السلام، والنبي الذي سألوه أن يبعث لهم ملكًا هو شمويل بن بال بن علقمة، ويعرف بابن العجوز، ويقال فيه: شمعون. قاله السدي، وإنما قيل: ابن العجوز؛ لأن أمه كانت عجوزًا، فسألت الله الولد، وقد كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها، ويقال له أيضًا: شمعون.

قال وهب بن منبه: لما قال الملأ من بني إسرائيل لشمويل بن بال ما قالوا، سأل الله تعالى أن يبعث إليهم ملكًا ويدله عليه، فقال الله تعالى له: انظر إلى القرن الذي فيه الدهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن، فهو ملك بني إسرائيل فادهن رأسه منه وملكه عليهم.

وكان طالوت دباغًا فخرج في ابتغاء دابة أضلها، فقصد شمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجًا، فنش الدهن على ما زعموا، قال: فقام إليه شمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت، وقال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى بتقديمه.

ثم قال لبني إسرائيل: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة: 247] .

وكان طالوت من سبط بنيامين، ولم يكن من سبط النبوة، ولا من سبط الملك، وكانت النبوة في بني لاوي، والملك في سبط يهوذا، فلذلك أنكروا، وقالو: ا أنى يكون له الملك علينا؟ أي: كيف يملكنا ونحن أحق بالملك منه؟!، جروا على طريقتهم في التعنت مع الأنبياء، والانحراف عن أمر الله تعالى، وتعجبوا كيف يكون له الملك، وهم من سبط الملوك، هو ليس كذلك، هم أغنياء وهو فقير؟، فتركوا السبب الأقوى وهو قدر الله تعالى وقضاؤه السابق، فالأمر أمره والعبد عبده، والحلال ما أحل، والحرام ما حرم، والدين ما شرع، وليس للعبد إلا أن يستسلم ويقول: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.

فنبيهم قد صرح لهم وقال: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} فساروا على درب إبليس عندما اعترض على الأمر المباشر بالسجود لآدم، وكان أول من قاس قياسًا فاسدًا في مواجهة النص، وقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) } قد تصور القوم أن الملك حكر عليهم، وأن التقديم والتأخير تبعًا للغنى والفقر، وصادموا الوحي بذلك، وهم أهل تعنت؛ فقد صنعوا ذلك من قبل مع نبي الله موسى عليه السلام عندما أمرهم بذبح بقرة، فأكثروا وشددوا؛ فشدد الله عليهم.

قال ابن عباسٍ: كان طالوت يومئذٍ أعلم رجلٍ في بني إسرائيل وأجمله وأتمه، وزيادة الجسم مما يهيب العدو 154.

قال تعالى {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) } [البقرة: 249] .

لما كان بنو إسرائيل من قبل كارهين لملك طالوت عليهم، ثم أذعنوا من بعد، وكان إذعان الجميع ورضاهم مما لا يمكن العلم به إلا بالاختبار والابتلاء، أراد الله أن يبتلي هذا القائد جنده ليعلم المطيع والعاصي والراضي والساخط، فيختار المطيع الذي يرجى بلاؤه في القتال، وثباته في معامع النزال، وينفي من يظهر عصيانه، ويخشى في الوغى خذلانه، فإن طاعة الجيش للقائد وثقته به من شروط الظفر، وأحوج القواد إلى اختبار الجيش من ولي على قوم وهم له كارهون، أو كان فيهم من يكرهه، فإذا وجد في الجيش من ليس متحدًا معه يخشى أن يوضعوا خلاله يبغونه الفتنة ويسمونه بالفشل.

فأخبر طالوت جنوده بأن سيمرون على نهر يمتحنهم به بإذن الله، فمن شرب منه فلا يعد من أشياعه المتحدين معه في أمر القتال. إلا أن يكون ما يشربه قليلًا وهو غرفة تؤخذ باليد، فإن هذا مما يتسامح فيه ولا يراه مانعًا من الاتحاد به والاعتصام بحبله، ومن لم يطعمه، أي: يذقه بالمرة فإنه منه، وهو الذي يركن إليه ويوثق به تمام الثقة، فالابتلاء سيكون على ثلاث مراتب:

الأولى: مرتبة من يشرب فيروى لا يبالي بالأمر، وحكمه أن يتبرأ منه.

الثانية: ومرتبة من يأخذ بيده غرفة يبل بها ريقه وهو مقبول في الجملة.

الثالثة: مرتبة من لا يذوقه ألبتة، وهو الولي النصير الذي يوثق باتحاده، ويعول على جهاده.

قال تعالى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} ذلك أن القوم كانوا قد فسد بأسهم وتزلزل إيمانهم، واعتادوا العصيان فسهل عليهم عصيانهم، وشق عليهم مخالفة الشهوة وإن كان فيها هوانهم، ولم يبق فيهم من أهل الصدق في الإيمان والغيرة على الملة والأمة إلا نفر قليل {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] .

والعدد القليل من أهل العزائم يفعل ما لا يفعل الكثير من ذوي المآثم، كما يعلم من قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} 155.

فلما خرج طالوت بالجنود من بيت المقدس، لقتال أعدائهم، قال لهم: إن الله مختبركم وممتحن مقدار صدقكم-في لقاء عدوكم، واستجابتكم لأوامر قائدكم- {بِنَهَرٍ} يعترض طريقكم: أطلب منكم عدم الشرب منه، ليظهر منكم المطيع والعاصي، فإن طاعة القائد شرط أساسي للنصر، فمن غلبته شهوته وشرب من مائه، فليس من أتباعي؛ لأنه إذا عصاني اليوم، فهو أحرى أن يعصي أمري وقت اشتداد الحرب، فتحدث الهزيمة. ومن لم يذق ماءه استجابة لهذا الأمر وصبر، فإنه مني، ضالع معي في لقاء العدو، والرغبة في الانتصار عليه.

ثم استثنى من القسم الأول وهو: من شرب من النهر فقال: {إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} يبل بها ريقه في هذه الفلاة وشدة العطش، فلا بأس عليه في ذلك.

قالوا - في حكمة الأمر بالاكتفاء بالغرفة-: إنه اختبار لطاعتهم كما تقدم، كما أن فيه سلامة الجندي، فإن الإسراف في الشرب-عند مناجزة العدو-يضر ضررًا بليغًا.

{فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} أي: فلم يمتثلوا ما أمرهم به طالوت، بل شربوا منه أكثر مما أمرهم به، إلا قليلًا منهم، نفذوا أمره فاغترف كل واحد منهم لنفسه غرفة واحدة 156.

وهؤلاء الذين يظنون أنهم ملاقو الله في الآخرة هم الذين آمنوا وجاوزوا النهر مع طالوت، قال ضعافهم: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، وقال أقوياؤهم: كم من فئة قليلة إلخ ... ثم اشتد بعضهم بعزيمة بعض، وكان من أمر انتصارهم ما يأتي في الآية التي بعد هذه، والعبارة لا تدل على أن الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه، وإنما خص بالذكر الذين لم يشربوا؛ لأنهم لم يتخلفوا عن طالوت لأجل الشرب، فهم الذين جاوزوه معه مقترنين وهم الذين يعتدهم منه، ويتبرأ من المتخلفين العاصين. كما علم من قوله في الابتلاء 157.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت