قال السعدي: لأن كل داء يداوى بضده، فهذا القميص لما كان فيه أثر ريح يوسف، الذي أودع قلب أبيه من الحزن والشوق ما الله به عليم أراد أن يشمه فترجع إليه روحه، وتتراجع إليه نفسه، ويرجع إليه بصره، ولله في ذلك حكم وأسرار، لا يطلع عليها العباد، وقد اطلع يوسف من ذلك على هذا الأمر 74.
قال ابن كثير: وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات 75.
وأمرهم أيضًا أن يأتوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مص؛ ليجتمع الشمل بعد الفرقة، ويزول عنهم ضنك الرزق قال: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف:93] .
وحصلت معجزة أخرى وهي إيصال الله تعالى ريح يوسف عليه السلام لأبيه من مكان بعيد، فما أن خرجت العير -القافلة- من أرض مصر مقبلة إلى أرض فلسطين حتى شم يعقوب عليه السلام ريح القميص، {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) } [يوسف:94] .
أي: تسخرون مني، وتقولون إنما قلت هذا من الفند، وهو الخرف وكبر السن، فوقع ما ظنه بهم {قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) } [يوسف:95] .
أي: في حبك القديم ليوسف 76، قال قتادة: «أي: من حب يوسف لا تنساه، قالوا لوالدهم كلمةً غليظةً لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم، ولا لنبي الله صلى الله عليه وسلم» 77.
{فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} وهو المبشر برسالة يوسف {أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} أي: بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرًا بعدما كان ضريرًا، فقال لبنيه عند ذلك: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف:96] .
أي: أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف؛ لأن رؤيا يوسف كانت صادقة، وكان الله قد قضى أن أَخِرَّ أنا وأنتم له سجودًا، فكنت موقنًا بقضائه، ولا تعلمون أنتم من ذلك ما أعلمه 78.
هنا شعر الأبناء بالحرج من جراء ما اقترفوا {قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) } [يوسف:97] .
فعفا عنهم و {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) } [يوسف:98] .
وقد قيل: إنه أخر الاستغفار لهم إلى وقت السحر الفاضل؛ ليكون أتم للاستغفار، وأقرب للإجابة 79.
فارتحل يعقوب عليه السلام ومن معه إلى مصر {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} وهما أبوه وأمه على الصحيح، أي: ضمهما إليه، واختصهما بقربه، وأبدى لهما من البر والإكرام والتبجيل والإعظام شيئًا عظيمًا {وَقَالَ} لجميع أهله: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف:99] من جميع المكاره والمخاوف 80.
ومن أدبه مع والديه واحترامه لهما لم يجلسهما على الأرض ويجلس هو على سرير الملك بل أجلسهما معه {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} وهو سرير الملك {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} أي: أبوه، وأمه وإخوته، وقد كان ذلك جائزًا في شريعتهم لكنه منع في شريعتنا.
قال ابن عطية: «وأجمع المفسرون أن ذلك السجود- على أي هيئة كان- فإنما كان تحية لا عبادة، قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة» 81 {وَقَالَ} لما رأى سجودهم له: {يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} حين رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر لي ساجدين، فهذا وقوعها الذي آلت إليه ووصلت {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} فلم يجعلها أضغاث أحلام، بل تحققت ووقعت كما رأيتها 82.
ثم رد الفضل في ذلك كله إلى الله وأنه هو الذي حفظه ونجاه وجمع شمله به بهم بعد طول فراق {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف:100] .
يقول الله تعالى عن يوسف وإخوته: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) } [يوسف:7] .
أي: عبر ومواعظ، لكل من سأل عنها بلسان الحال أو بلسان المقال؛ فإن السائلين هم الذين ينتفعون بالآيات والعبر، وأما المعرضون فلا ينتفعون بالآيات، ولا بالقصص والبينات 83.
وعن سبب نزولها قال أبوحيان الأندلسي: وسبب نزولها أن كفار مكة أمرتهم اليهود أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر فنزلت. وقيل: سببه تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يفعل به قومه بما فعل إخوة يوسف به. وقيل: سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحدثهم أمر يعقوب وولده، وشأن يوسف. وقال سعد بن أبي وقاص: أنزل القرآن فتلاه عليهم زمانًا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا، فنزلت 84. ويمكن إجمال القول عن يوسف عليه السلام مع إخوته فيما يلي:
1.عددهم.
كان ليعقوب عليه السلام من البنين اثنا عشر ولدًا ذكرًا، وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم وأجلهم يوسف عليه السلام 85، وقد جاءت الإشارة إليهم في آية الرؤيا حين قال: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا) [يوسف:4] .
وقد كان أحدهما شقيقا ليوسف والبقية إخوته لأبيه كما يشير إلى ذلك قولهم المذكور في الآية: (ذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى? أَبِينَا) [يوسف:8] .
فقولهم (وَأَخُوهُ) أي: شقيقه، وإلا فكلهم إخوة 86.
2.أسماؤهم.
لم يرد ذكر أسمائهم في شيء من القرآن أو صحيح السنة سوى يوسف عليه السلام، وقد اشتهر عند المؤرخين والمفسرين بأن أخاه الشقيق يقال له: (بنيامين) وقد جاء في حديث مرفوع ذكر أسمائهم لكنه لم يصح 87.
3.القول بنبوتهم.
اختلف العلماء في نبوة إخوة يوسف عليه السلام: فذهبت طائفة إلى أنهم كانوا أنبياء، وأنهم هم أسباط بني إسرائيل المذكورون في القرآن في قوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ) [البقرة:136] .
وقوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى? نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ? وَأَوْحَيْنَا إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ) [النساء:163] .
فقد عطفهم الله على يعقوب عليه السلام وأخبر أنه أوحى إليهم، وأما ما حصل منهم تجاه أخيهم فقد كان قبل نبوتهم، وقد تابوا منه فتاب الله عليهم وأوحى إليهم بعد ذلك 88.
وذهب فريق إلى أن إخوة يوسف عليه السلام لم يكونوا أنبياء؛ لعدم ورود دليل صريح على ذلك؛ ولأن ما قاموا به نحو أخيهم لا يتناسب مع مقام النبوة.
قال الحافظ ابن كثير: «وقد ذهب طائفةٌ من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبيٌ غيره، وباقي إخوته لم يوح إليهم، وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول، ومن استدل على نبوتهم بقوله: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ) [البقرة:136] وزعم أن هؤلاء هم الأسباط فليس استدلاله بقويٍٍّ؛ لأن المراد بالأسباط شعوب بني إسرائيل وما كان يوجد فيهم من الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء، وما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه ما نص على واحدٍ من إخوته سواه، فدل على ما ذكرناه» 89.
قال القرطبي تعليقًا على تآمرهم عليه: وفي هذا ما يدل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء لا أولًا ولا آخرًا؛ لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلمٍ، بل كانوا مسلمين، فارتكبوا معصيةً ثم تابوا 90.
قال أبو محمد ابن حزم: «إخوة يوسف عليه السلام لم يكونوا أنبياء، ولا جاء قط في أنهم أنبياء نص: لا من قرآن، ولا من سنة صحيحة، ولا من إجماع، ولا من قول أحد من الصحابة رضي الله عنهم، وأما يوسف صلى الله عليه وسلم فرسول الله بنص القرآن.
قال عز وجل: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ ? حَتَّى? إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ?) [غافر:34] .
وأما إخوته فأفعالهم تشهد أنهم لم يكونوا متورعين عن العظائم فكيف أن يكونوا أنبياء؟! ولكن الرسولين أباهم وأخاهم قد استغفرا لهم، وأسقطا التثريب عنهم؛ ولقول الله تعالى حاكيًا عن الرسول أخيهم عليه السلام أنه قال لهم: (أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ?) [يوسف:77] .
ولا يجوز البتة أن يقوله لنبي من الأنبياء، نعم ولا لقوم صالحين، إذ توقير الأنبياء فرض على جميع الناس؛ لأن الصالحين ليسوا شرا مكانا وقد عق ابن نوح أباه أكثر مما عق به أخوة يوسف أباهم إلا أن إخوة يوسف لم يكفروا، ولا يحل لمسلم أن يدخل في الأنبياء من لم يأت نص ولا إجماع أو نقل كافة بصحة نبوته.
فإن ذكروا في ذلك ماروي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وهو زيد بن أرقم: إنما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاد الأنبياء أنبياء، فهذه غفلة شديدة وزلة عالم من وجوه:
أولها: أنه دعوى لا دليل على صحتها.
وثانيها: أنه لو كان ما ذكر لأمكن أن ينبأ إبراهيم في المهد كما نبئ عيسى عليه السلام، وكما أوتي يحيي الحكم صبيًّا، فعلى هذا القول لعل إبراهيم كان نبيًّا، وقد عاش عامين غير شهرين، وحاشا لله من هذا.
وثالثها: أن ولد نوح كان كافرًا بنص القرآن، فلو كان أولاد الأنبياء أنبياء لكان هذا الكافر المسخوط عليه نبيًّا، وحاشا لله من هذا.
ورابعها: لو كان ذلك لوجب ولابد أن تكون اليهود كلهم أنبياء إلى اليوم، بل جميع أهل الأرض أنبياء؛ لأنه يلزم أن يكون الكل من ولد آدم لصلبه أنبياء؛ لأن أباهم نبي وأولاده أنبياء أيضًا؛ لأن آباءهم أنبياء وهم أولاد أنبياء، وهكذا أبدًا حتى يبلغ الأمر إلينا» 91.
4.تآمرهم عليه.
لما رأى إخوة يوسف حب أبيه له وميله إليه وإلى أخيه-شقيقه- دب الحسد في قلوبهم، وزين لهم الشيطان الانتقام منه، فتآمروا عليه، وعزموا على التفريق بينه وبين أبيه، ونفذوا ما عزموا عليه، وأبعدوه عن والده، وجروا عليه وعلى والده محن عظيمة امتدت لسنوات طوال.
قال تعالى حاكيًا ما حصل منهم: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ?7?إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى? أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) [يوسف:7 - 8] .
أي: جماعة، يقولون: فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين.
(إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ?8?) [يوسف:8] أي: لفي خطأ بين؛ بتقديمه حبهما علينا 92.
وليس مراد أولاد يعقوب الضلال في الدين؛ إذ لو أرادوا ذلك لكانوا كفارًا، وإنما مرادهم أن أباهم -في زعمهم- في ذهابٍ عن وجه التدبير، في إيثار اثنين على عشرةٍ مع استوائهم في الانتساب إليه؛ ولأن العشرة أكثر نفعًا له 93.
ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرضٍ لا يرجع منها؛ ليخلو لهم وجه أبيهم أي: لتتمحض محبته لهم.
قالوا: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) [يوسف:9] .
أي: تتوبون إلى الله، وتستغفرون من بعد ذنبكم، فقدموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب منهم تسهيلًا لفعله 94.
فلما تمالأوا على ذلك وتوافقوا عليه (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) [يوسف:10] .
أي: يقول أحد إخوة يوسف الذين أرادوا قتله أو تبعيده (لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ) فإن قتله أعظم إثمًا وأشنع، والمقصود يحصل بإبعاده عن أبيه من غير قتل، ولكن توصلوا إلى إبعاده بأن تلقوه وأشار عليهم بأن يلقوه في غَيَابَتِ الْجُبِّ) وهو أسفله، والغيابة: كل ما غاب عنك، أو غيب شيئًا عنك، والجب: الركية التي لم تطو، فإذا طويت فهي بئر، وسميت جبًا؛ لأنها قطعت في الأرض قطعًا 95 (ے يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) أي: المارة من المسافرين، فتستريحوا بهذا، ولا حاجة إلى قتله (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) أي: إن كنتم عازمين على ما تقولون 96.
قال السعدي: «وهذا القائل أحسنهم رأيًا في يوسف، فإن بعض الشر أهون من بعض، والضرر الخفيف يدفع به الضرر الثقيل 97» .
قال ابن كثير: «ولم يكن لهم سبيلٌ إلى قتله؛ لأن الله تعالى كان يريد منه أمرًا لا بد من إمضائه وإتمامه: من الإيحاء إليه بالنبوة، ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم الله عنه بمقالة أخيه فيه 98» .
وقد صدق رحمه الله.
لما تواطؤوا على أخذه وطرحه في البئر كما أشار عليهم أخوهم، جاؤوا إلى أبيهم وطلبوا منه أن يرسله معهم، وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم، وأن يلعب وينبسط، وقد أضمروا له ما الله به عليمٌ 99، (. قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى? يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) [يوسف:11] .
فلما نفوا عن أنفسهم التهمة المانعة من عدم إرساله معهم، ذكروا له من مصلحة يوسف وأنسه الذي يحبه أبوه له ما يقتضي أن يسمح بإرساله معهم، فقالوا: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) [يوسف:12] .
أي: يتنزه في البرية ويستأنس.
(وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [يوسف:12] أي: سنراعيه ونحفظه من أذى يريده.
فأجابهم والدهم (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) [يوسف:13] .
يقول لهم: إن مجرد ذهابكم به يحزنني ويشق علي؛ لأنني لا أقدر على فراقه، ولو مدة يسيرة، فهذا مانع من إرساله و مانع ثان وهو أني (وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) أي: في حال غفلتكم عنه وانشغالكم في لعبكم، لأنه صغير لا يمتنع من الذئب 100.
«وإنما ذكر يعقوب عليه السلام أن ذهابهم به يحزنه؛ ليصرفهم عن الإلحاح في طلب الخروج به؛ لأن شأن الابن البار أن يتقي ما يحزن أباه، فأبوا إلا المراجعة 101.
قالوا: (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ [يوسف:14] .
يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا وغلبنا عليه، أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعةٌ إنا إذا لعاجزون هالكون، لا خير فينا ولا نفع يرجى منا 102.
فلما مهدوا لأبيهم الأسباب الداعية لإرساله، وعدم الموانع، سمح حينئذ بإرساله معهم، فذهبوا به وبلغوا المكان الذي فيه الجب ونفذوا مهمتهم وألقوه في البئر، ولكن الله تعالى لطف به حيث حفظه من الضرر فلم يصطدم بجدرانها فيهلك أو يغرق في مائها فيموت، بل إن الله أمنه من الخوف حيث أوحى إليه في تلك الحال الحرجة تطييبًا لقلبه، وتثبيتًا له وبشره «أنه لابد لك من فرجٍ ومخرجٍ من هذه الشدة التي أنت فيها، وسينصرك الله عليهم، ويعليك ويرفع درجتك، ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا في حالٍ أنت فيها عزيزٌ، وهم محتاجون إليك خائفون منك» 103.
قال تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ) [يوسف:15] .
أي: في قعره.
(وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) وفي المراد بالوحي قولان 104:
أحدهما: أنه إلهام.
والثاني: أنه وحي حقيقة.
(لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا) أي: لتخبرن إخوتك بفعلهم هذا الذي فعلوه بك.
(وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) وفي المراد بهذه الآية قولان:
أحدهما: وهم لا يشعرون بإيحاء الله إليك.
والثاني: وهم لا يشعرون أنك يوسف وقت إخبارك لهم،، وذلك إخبارٌ بما وقع بعد سنين مما حكي في هذه السورة 105.
وهذا هو الراجح؛ لأن الله جل وعلا صرح في هذه السورة الكريمة بأنه أنجز ذلك الوعد في قوله: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ?89?قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ? قَالَ أَنَا يُوسُفُ) [يوسف:89 - 90] .
وصرح بعدم شعورهم بأنه يوسف في قوله: (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) [يوسف:58] 106.
فلما ألقوه في البئر ورجعوا عنه، أخذوا قميصه فلطخوه بشئ من دمٍ، ورجعوا إلى أبيهم عشاءً وهم يبكون، ويظهرون الأسف والجزع على يوسف (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ) [يوسف:16] .
أي: على أخيهم؛ ولهذا قال بعض السلف: لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالمٍ وهو باك! وذكر بكاء إخوة يوسف وقد (? ? ٹ) ، أي: في ظلمة الليل؛ ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم 107.
قالوا: متعذرين بعذر كاذب (يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ) [يوسف:17] .
إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال.
(وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا) أي: ثيابنا وأمتعتنا.
(فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) أي: في حال غيبتنا عنه في استباقنا، وهذا الذي كان قد خاف منه عليه، لكنهم أخذوا من فمه هذه الكلمة، وجعلوها عذرهم فيما فعلوه.
(وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا) أي بمصدقٍ لنا.
(وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) أي: ولو كنا عندك من أهل الثقة والصدق ما صدقتنا ولا تهمتنا في هذه القضية؛ لشدة محبتك في يوسف 108.
(وَجَاءُوا عَلَى? قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ?) [يوسف:18] أي: مكذوبٍ مفتعلٍ؛ ولهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب.
بل قال لهم معرضًا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من تمالئهم عليه: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ?) [يوسف:18] .
أي: زينت لكم أنفسكم أمرًا قبيحا في التفريق بيني وبينه؛ لأنه رأى من القرائن والأحوال ومن رؤيا يوسف التي قصها عليه ما دله على ما قال.
(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ? وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى? مَا تَصِفُونَ ?18?) أي: فسأصبر صبرًا جميلًا على هذا الأمر الذي قد اتفقتم عليه، حتى يفرجه الله بعونه ولطفه.
(ڑ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى? مَا تَصِفُونَ) أي: على ما تذكرون من الكذب والمحال 109.
قال ابن عاشور: وإنما فوض يعقوب عليه السلام الأمر إلى الله ولم يسع للكشف عن مصير يوسف عليه السلام؛ لأنه علم تعذر ذلك عليه لكبر سنه؛ ولأنه لا عضد له يستعين به على أبنائه أولئك. وقد صاروا هم الساعين في البعد بينه وبين يوسف عليه السلام، فأيس من استطاعة الكشف عن يوسف بدونهم، ألا ترى أنه لما وجد منهم فرصةً قال لهم: (اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ) [يوسف:87] 110.
لما ألقي يوسف عليه السلام في البئر وترك لمصيره، كان من لطف الله به أن جاء بالسيارة إليه كما قال: (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ) [يوسف:19] .
أي: مسافرون وهم قافلة تريد مصر.
(فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ) والوارد الذي يرد الماء يستقي للقوم.
(فَأَدْلَى? دَلْوَهُ ?) أرسل دلوه في البئر ليملأه، والدلو معروف: وهو ما يستخرج به الماء من البئر، فتعلق فيه يوسف فأخرجه واستبشر به.
وقال: (يَا بُشْرَى?) أي: يا بشراي.
(هَ?ذَا غُلَامٌ ? وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ?) أي: وأسره الواردون من بقية السيارة وقالوا: اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره 111.
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) أي: هو عالمٌ بما يفعله إخوته ومشتروه، وهو قادرٌ على تغيير ذلك ودفعه ومع هذا لا يغيره تعالى؛ لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر 112.
وقال أيضًا: وفي هذا تعريضٌ لرسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإعلامه له بأنني عالمٌ بأذى قومك، وأنا قادرٌ على الإنكار عليهم، ولكني سأملي لهم، ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم، كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته 113.
وَشَرَوْهُ) أي: باعه السيارة.
بِثَمَنٍ بَخْسٍ) أي: قليلٍ ناقص.
فسره بقوله: دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) [يوسف:20] أي: ممن يرغب عما في يده فيبيعه بأقل ثمن؛ لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاونٌ به لا يبالي بما باعه؛ ولأنهم خافوا أن يظهر له مستحقٌ فينزعه من يدهم؛ ولذلك باعوه بأوكس الأثمان 114.
هذا هو القول الأول في هذه الآية وأن الذين شروه -بمعنى باعوه- بمصر هم السيارة وأن إخوته ألقوه وانصرفوا، وهو اختيار أبي حيان والشوكاني وابن عاشور وغيرهم 115.
وهو الظاهر؛ لدلالة ظاهر السياق عليه؛ حيث إن الله ذكر ذلك بعد ذكره لرجوع إخوة يوسف إلى أبيهم، ثم ذكر بعدهم مجيئ السيارة، وبعده قال: وَشَرَوْهُ ثم بين من اشتراه منهم فقال: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) [يوسف:21] .
ولم يشر القرآن إلى رجوع إخوة يوسف مرة أخرى إلى البئر.
وذهب كثير من المفسرين إلى أن الضمير في (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ?) وفي (وَشَرَوْهُ) عائد على إخوة يوسف، وأنهم لما استشعروا بأخذ السيارة له لحقوهم، وقالوا هذا غلامنا أبق منا (ں وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً) يعني: أن إخوة يوسف أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع.
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ) أي: باعه إخوته للسيارة بثمنٍ دونٍ قليلٍ، وكانوا مع ذلك فيه من الزاهدين، أي: ليس لهم رغبة فيه، بل لو سألوه بلا شيءٍ لأجابوا؛ لأنه لم يكن لهم قصد إلا تغييبه وإبعاده عن أبيه. واختار هذا القول ابن كثير والطبري والسعدي وغيرهم 116.
وقد خاض بعض المفسرين في عدد هذه الدراهم، لكنه لا طائل من وراء ذلك، قال ابن جرير الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنهم باعوه بدراهم معدودة ولم يحد مبلغ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول صلى الله عليه وسلم وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضر فيه، والإيمان بظاهر التنزيل فرضٌ، وما عداه فموضوعٌ عنا تكلف علمه 117.
5.اتهامهم له بالسرقة.
ومما نال يوسف أيضًا من إخوته اتهامهم له بالسرقة زورًا وبهتانًا، حين قالوا لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع أخيهم: (إِنْ يَسْرِقْ) هذا الأخ، فليس هذا غريبا منه (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) [يوسف:77] . يعنون: يوسف عليه السلام، وهذا مجرد اتهام، قال الحسن: كذبوا عليه فيما نسبوه إليه 118.
وقال الشوكاني: «فما هذه الكذبة بأول كذباتهم» 119.
وفي هذا من الغض عليهما ما فيه؛ ولهذا قال: (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ? قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا ? وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) [يوسف:77] .
أي: لم يقابلهم على ما قالوه بما يكرهون، بل كظم الغيظ، وأسر الأمر في نفسه.
و (قَالَ) في نفسه: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا ?) حيث ذممتمونا بما أنتم على أشر منه.
وفي معناها قولان:
أحدهما: أنتم شرٌ صنيعًا من يوسف لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم.