ومن خلال هذا يظهر أن العزة خلق من أخلاق المؤمنين، وقد عبر الله تعالى عنها في الآية الأخيرة بالجملة الاسمية {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} الدالة على الثبات والاستقرار، وعليه فيجب على المؤمنين الثبات على ما هم عليه من العزة، وعدم التخلي عنها في أي ظرف من الظروف سواء في الحرب أو السلم، في الفرح أو الحزن، في السراء أو الضراء، فالله تعالى يربيهم على معاني العزة، ويغرسها في قلوبهم.
ثالثًا: حسن عاقبة من اعتز بالله ودينه:
يقول الله عز وجل: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) } [فاطر:10] .
وقد وردت أقوال عديدة في معنى الآية، وأولاها بالصواب وأرجحها-كما ذكر الطبري-40 أن من كان يريد العزة ويبحث عنها ويطلبها، فليتعزز بالله عز وجل، فلله تعالى العزة جميعًا دون كل ما دونه من الأوثان والأصنام، وفيها تنبيهٌ لذوي الأقدار والهمم العالية من أين تنال العزة، ومن أي جهة تطلب؟ 41.
ثم بين الله تعالى أن الكلام الطيب من ذكرٍ لله تعالى، أو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وتلاوة قرآن، وغير ذلك يصعد إلى الله عز وجل فيقبله، والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب؛ وذلك لأن العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان، بالإضافة إلى أن العمل الصالح يرفع صاحبه الذي أراد العزة من الله تعالى 42.
قال القرطبي: «فمن طلب العزة من الله وصدقه في طلبها بافتقارٍ وذلٍ، وسكونٍ وخضوعٍ، وجدها عنده إن شاء الله غير ممنوعةٍ ولا محجوبةٍ عنه، قال صلى الله عليه وسلم: (من تواضع لله رفعه الله) 43 ومن اعتز بالله أعزه الله» 44.
ولذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن من اعتز بالله تعالى، واعتز برسوله صلى الله عليه وسلم، وبدين الإسلام، أعزه الله جل جلاله، ولهذا السبب حصر الله تعالى العزة الحقيقية في كونها لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.
قال ابن عاشور: «والمعنى: إن كان الأعز يخرج الأذل فإن المؤمنين هم الفريق الأعز، وعزتهم بكون الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم وبتأييد الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأولياءه؛ لأن عزة الله هي العزة الحق المطلقة، وعزة غيره ناقصةٌ، فلا جرم أن أولياء الله هم الذين لا يقهرون إذا أراد الله نصرهم ووعدهم به. فإن كان إخراجٌ من المدينة فإنما يخرج منها أنتم يا أهل النفاق» 45.
ويخلص من هذا إلى أنه إذا كانت العزة لله تعالى وحده، فإنه سبحانه يهبها لعباده المؤمنين، وأوليائه الصادقين، وقد استمدوا هذه العزة من الله جل جلاله، فيعزهم الله تعالى في الدنيا والآخرة، فيغفر لهم ذنوبهم، ويكفر عنهم سيئاتهم، ويرفع قدرهم وشأنهم، ويقبل أعمالهم الصالحة ويثيبهم عليها خير الثواب، وينزلهم الدرجات العلا من الجنة، وفي هذا المعنى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله أذلنا الله» 46.
رابعًا: بيان سوء عاقبة من أخذته العزة بغير الحق:
اقتضت حكمة الله جل جلاله أن من طلب العزة في غير جانب الله تعالى أذله الله تعالى؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن حقًّا على الله أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه) 47.
فمن اعتز بالكفار أذله الله تعالى، وأذاقه الذلة والصغار على أيديهم، وفي هذا المعنى قال الزمخشري: «المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين» 48.
هذا في الدنيا، أما في الآخرة فسوف يصليه الله تعالى جهنم وساءت مصيرًا.
يقول الله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) } [البقرة:206] .
فهذه الآية في ذكر وصف من أوصاف المنافق الذي يظهر خلاف ما يبطن، فإذا نصحه إنسان فقال له: اتق الله، أخذته الحمية الجاهلية، والعزة الشيطانية على ارتكاب الإثم والحرام، فتمادى في غيه وضلاله؛ لأنه ينفر من الصلاح والمصلحين، فبين الله تعالى أن مثل هذا يكفيه عذاب جهنم، فهي مأواه ومهاده، ولبئس المهاد مهاده، بسبب سوء عمله في الدنيا، وسوء خداعه وحاله 49.
وتاريخ الأمم السابقة ومصارعها شاهد على أن من يغالب الله جل جلاله يغلب، وأن من اعتز بغير الله تعالى ذل وهان، فقد اعتزت تلك الأمم بقوتها التي منحها الله عز وجل إياها، فبدلًا من أن يشكروا الله تعالى على هذه النعم جحدوا مانحها، واعتزوا بهذه النعم بدلًا من المنعم.
وقد وضح الله عز وجل السبب في اتخاذ المشركين الأصنام والأوثان آلهة يعبدونها من دون الله تعالى، فقال: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) } [مريم:81 - 82] .
أي: ليكونوا لهم أنصارًا وشفعاء ينقذونهم من عذاب الله تعالى في الآخرة، فزعمهم هذا ما هو إلا كذب وافتراء على الله عز وجل، ثم زجرهم الله تعالى رادعًا إياهم عن ذلك الظن الفاسد بأنه ليس الأمر كما زعموا؛ بل ستكون هذه المعبودات ضدًّا وأعوانًا عليكم في خصومتكم وتكذيبكم فيما زعمتم، ومن ثم التبرؤ منكم 50.
ولذلك أنكر الله سبحانه وتعالى عليهم اتخاذهم الأصنام لأجل العزة، فقال: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) } [النساء:139] .
ويوم القيامة يأمرهم بقوله عز وجل: {قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) } [سبأ:27] .
وهكذا تظهر سوء عاقبة من اعتز بغير الله تعالى، وأنها عزة واهية باطلة لا حقيقة لها لا في الدنيا ولا في الآخرة.
إن الحديث عن أنواع العزة ومقوماتها يظهر من خلال التعرف على العزة المحمودة ومقوماتها، وكذلك على العزة المذمومة ودوافعها، وتفصيل ذلك فيما يأتي:
أولًا: العزة المحمودة ومقوماتها:
تظهر أنواع العزة المحمودة في القرآن الكريم من خلال النقاط الآتية:
1.العزة لله عز وجل جميعًا.
ذكرنا سابقًا أن من معاني العزة القلة والندرة، فمقومات العزة لله جل جلاله قد تفرد بها دون غيره، وليست لأحد سواه، ومن الأمثلة على هذه المقومات التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز:
-تفرده بالخلق.
فالله عز وجل هو الخالق لكل شيء في هذا الكون، وهذه المخلوقات كلها التي تتجلى فيها قدرته عز وجل وعظمته قد أوجدها من عدم.
يقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى? ? يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ? ذَ?لِكُمُ اللَّهُ ? فَأَنَّى? تُؤْفَكُونَ(95) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ? ذَ?لِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [الأنعام:95 - 96] .
فقد ذكر في هاتين الآيتين مجموعة من المخلوقات الدالة على وحدانيته تعالى وقدرته، وعلى علمه وحكمته، فهو فالقٌ لما يزرعونه من حب الحصيد ونوى الثمر، وشقه بقدرته بربط الأسباب بمسبباتها كجعل الحب والنوى في التراب، وإرواء التراب بالماء، كما أنه يخرج الحي من الميت كالزرع يخرجه من التراب أو البذور، ويخرج الحيوان من البيضة أو النطفة، وهو أيضًا مخرج الميت من الحي إذ يخرج اليابس من النبات الحي النامي، كما أنه فلق ظلمة الليل وشقها بنور الصباح، وجعل الليل سكنًا يستراح فيه من التعب بالنهار، كما خلق الشمس والقمر يجريان بحساب وعدد لبلوغ أمرهما ونهاية آجالهما، وفيهما مصالح ومنافع للناس حيث يحتاجون إلى معرفة حساب الأوقات لعباداتهم ومعاملاتهم وتواريخهم، فذلك كله من تقدير العزيز المتفرد بالخلق، الغالب على أمره في تنظيم ملكه، والعليم بما اقتضاه، واسعٌ علمه 51.
ومثله قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ? إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ?19?ٹوَمَا ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ?20?) [إبراهيم:19 - 20] .
والآيات على ذلك كثيرة.
-تفرده بالإحياء بعد الإماتة.
فقد أنكر المشركون أمر البعث، فبين الله تعالى في كثير من الآيات أنه قادر على ذلك.
ومنها قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى? ? قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ? قَالَ بَلَى? وَلَ?كِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ? قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى? كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ? وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة:260] .
فقد طلب إبراهيم عليه السلام من الله تعالى رؤية كيفية إحياء الموتى، وهو لم يشك قط في قدرة الله تعالى على ذلك، ولكن لأن النفس البشرية جبلت على رؤية ما أخبرت به بالعين المجردة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الخبر كالمعاينة) 52.
فأمره تعالى أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن ويجزئهن، ويضع على كل جبل منهم جزءًا، ثم يدعهن بأسمائهن فتأتيه هذه الطيور مسرعة، ففعل إبراهيم عليه السلام ذلك، وشاهد بأم عينيه قدرة الخالق العزيز الحكيم 53.
وقد ذكر الله تعالى في أكثر من موضع أن الإحياء بعد الإماتة أهون عليه من الخلق، فقال: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ? وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى? فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الروم:27] .
فإذا كان المشركون يعترفون بأن الله عز وجل هو الخالق كما أخبر عنهم بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) [الزخرف:9] .
فلماذا ينكرون البعث؟!
-تفرده بالتصوير في الأرحام.
وهذا أمر قد تفرد الله تعالى به كما تفرد بالخلق والإحياء بعد الإماتة، فقال: (. هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران:6] .
فقد أخبر الله تعالى عن تصويره للبشر في أرحام أمهاتهم على الكيفية التي يشاؤها جل جلاله من حسن وقبح، وسواد وبياض، وطول وقصر، وسلامة وعاهة إلى غير ذلك من السعادة والشقاء، وهذا دليل على وحدانيته عز وجل، ولا يقدر على ذلك إلا العزيز الذي لا يغالب، والحكيم بخلقه وشؤونهم 54.
-تفرده بالنصر.
وهذا واردٌ في قوله تعالى: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [آل عمران:126] .
والمعنى: أن نصر المؤمنين لا يكون إلا من عند الله عز وجل على خلاف ما كان يعتقد المشركون من أن الآلهة هي التي تمدهم بالنصر في حروبهم ومعاركهم، وهذا واضحٌ من التركيب القرآني حيث استخدم «ما» النافية مع حرف الاستثناء «إلا» ، وهو أسلوب حصر وقصر؛ لذلك ناسب أن يذكر اسمه «العزيز» لتفرده سبحانه بأمر النصر فهو العزيز الغالب القاهر.
-تفرده بتأليف القلوب.
وهذا ما أخبر الله تعالى به في قوله: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ? لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ? إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال:63] .
فالله تعالى له جميع صفات الكمال، فألف بين قلوب المؤمنين من الأوس والخزرج، وعلل سبحانه فعله ذلك؛ لأنه عزيز حكيم، فلولا عزته التي غلبت كل شيء، وحكمته التي أتقن بها كل ما يريد بحيث لا يستطيع أحد أن يغير مما أراد الله تعالى شيئًا لما تآلف المؤمنون فيما بينهم بعدما كانت تثور الإحن والفتن بينهم، فتغلي لها الصدور حتى يقتتلوا 55.
-تفرده بالهداية.
يقول الله عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ? فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [إبراهيم:4] .
أي: إن من لطف الله تعالى أن أرسل الرسل بلسان الأقوام الذين بعثوا إليهم؛ ليتمكنوا من فهم ما يدعونهم إليه، وحينئذٍ يقيم عليهم الحجة، فيضل الله تعالى من لم يرد الهداية، ويهدي من يشاء ممن اختصه برحمته فيهديه؛ وذلك لأنه هو العزيز الذي من عزته أن انفرد بأمر الهداية والضلال، ومن حكمته أنه لا يضع هدايته ولا إضلاله إلا في المحل اللائق به 56.
-تفرده بالقضاء.
يقول الله عز وجل: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ(78 ) ) [النمل:78] .
أي: إن الله تعالى سوف يقضي بين بني إسرائيل وغيرهم بالحق الذي يحكم به أو بحكمته العلية، فهو العزيز الذي لا يرد حكمه وقضاؤه، ومن عزته تفرده بالقضاء، كما أنه عليمٌ بجميع الأشياء التي من جملتها ما يقضي به 57.
-تفرده بالرزق والعطاء.
فيقول الله عز وجل: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) } [فاطر:2] .
فكل ما يفتحه الله تعالى للناس من خزائن رحمته لن يستطيع أحد منعه، وكذلك ما منعه الله تعالى من نعمه عن أحد، فلا يستطيع أحد إرساله إليه، فهو سبحانه المعطي المانع، لا معطي سواه، ولا منعم غيره 58، فهو العزيز الذي من عزته يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، وليس لأحد فعل ذلك.
ويقول أيضًا: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) } [الشورى:19] .
فالله تعالى كثير اللطف بهم، وبالغ الرأفة لهم، ويرزق من يشاء من أنواع الرزق، وإن كان يرزق كل نفس، لكنه فاوت بين المرزوقين في الرزق في القلة والكثرة لحكمة لا يعلمها إلا هو عز وجل 59.
فالله سبحانه هو القوي العظيم القوة، والباهر القدرة، والعزيز الذي من عزته انفرد بأمر الرزق والعطاء، ومن أجمع الآيات على مقومات عزة الله جل جلاله، قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9) } [السجدة:4 - 9] .
2.العزة لكتاب الله.
لقد وصف الله عز وجل نفسه بأنه عزيز، وعليه فإن كل ما يصدر عنه جل جلاله يستمد العزة من عزته تعالى، فالقرآن الكريم هو كلام الله تعالى، ولذلك فهو يتصف بالعزة أيضًا.
يقول الله عز وجل: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) } [الزمر:1] .
فهذا الكتاب العظيم هو منزل من الله تعالى العزيز في ملكه والحكيم في أمره 60.
وفي وصف القرآن ذاته يقول الله جل جلاله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) } [فصلت:41 - 42] .
فإن الكافرين جحدوا وكفروا بالقرآن الكريم، فبين الله تعالى أن هذا القرآن هو كتاب عزيز، قال الطبري: «وإن هذا الذكر لكتاب عزيز بإعزاز الله إياه، وحفظه من كل من أراد له تبديلًا أو تحريفًا، أو تغييرًا من إنسي أو جني وشيطان ومارد» 61.
كما وصفه الله عز وجل بأن من هو على الباطل لا يستطيع أن يغير شيئًا من القرآن بكيده، أو أن يبدل شيئًا من معانيه، ولا أن يلحق فيه مما ليس منه، فهو تنزيلٌ من عند ذي حكمة بتدبير عباده، ومن عند حميد محمود على نعمه عليهم بأياديه عندهم 62.
3.العزة لرسوله صلى الله عليه وسلم.
بما أن الله جل جلاله قد وصف نفسه بأنه عزيز، فإن كل ما يصدر عنه من أفعال فهو يتصف بالعزة أيضًا، ومن جملة أفعاله عز وجل أنه بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، وعليه فإن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم يتصف بالعزة، يقول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8] .
وعزة الرسول صلى الله عليه وسلم متمثلةٌ في إظهار دينه على سائر الأديان الموجودة على الأرض 63.
4.العزة للمؤمنين.
إن الله تعالى لما ذكر العزة الحقيقية حصرها فيه جل جلاله، وفي رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي المؤمنين، فقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون:8] .
وعزة المؤمنين تتمثل في نصر الله تعالى إياهم على أعدائهم 64، حيث يقول الله عز وجل: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40] .
أي: إن الله سبحانه وتعالى ينصر من ينصر دينه، ويدافع عن أوليائه، فالله تعالى لا يحتاج إلى نصرة أحد؛ بل كل الخلق مفتقرٌ إلى نصرته سبحانه 65.
فهذه العزة المحمودة للمؤمنين تكون في اتباعهم لشرع الله تعالى، وتنفيذه في أمور حياتهم، والسير على منهج أهل السنة والجماعة، ونبذ كل ما يعكر صفو الإيمان من الأمور البدعية والفلسفية والكلامية التي لا جدوى من ورائها، فالإيمان الذي به عزة المسلمين هو الإيمان الذي يولد عملًا صالحًا من صلاة خاشعة أو صيام، وأداء للزكاة، وبعدًا عن كل ما حرم الله تعالى من الربا والزنا والغش والغيبة والنميمة وغير ذلك من المنكرات، فهذا هو الإيمان الحقيقي.
وهذا الإيمان هو الذي تكون به العزة والرفعة والكرامة والمكانة للمسلمين جميعًا، وبالإضافة إلى ذلك فهو إيمانٌ قائمٌ على إخلاص العبادة لله عز وجل الذي بيده ملكوت كل شيء، وبيده الأمر كله، فحياتنا وأرزاقنا وآجالنا كلها بيد الله عز وجل، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يتوجه العبد بالتوكل أو الخوف أو الرجاء أو المحبة لغير الله عز وجل، والإنسان المؤمن العزيز هو الذي يجد للإيمان طعمًا وحلاوةً في أمور حياته كلها، وهذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) 66.
ثانيًا: العزة المذمومة ودوافعها:
كما تكون العزة محمودة كذلك قد تكون مذمومة، ومن أهم أنواع هذه العزة المذمومة والبواعث عليها أو دوافعها كما يأتي:
1.عزة الكافر دوافعها الكبر والعناد.
يقول الله عز وجل: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) } [ص:1 - 2] .
فالله تعالى حين أنزل هذا القرآن العظيم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أنزله ذكرًا لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر، فانتفع به المؤمنون، ولم ينتفع به الكافرون، والسبب في ذلك أنهم في عزة وحمية واستكبار عن قبول الحق والإيمان به، فهم دائمًا يخالفون الحق ويعاندونه 67 مع اعتقادهم في قرارة أنفسهم أن القرآن حق، وأن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم حق قد بعثه الله تعالى إليهم؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ولكن ما يمنعهم من الإيمان به إلا عزتهم وحميتهم الباطلة، وجحودهم وظلمهم لأنفسهم.
ولذلك يقول الله عز وجل: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) } [الأنعام:33] .
هذا وقد بين الله تعالى أن هؤلاء الكفار يعتزون بالأصنام والأوثان التي يعبدونها من دونه سبحانه حيث قال: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) } [مريم:81] .
ولا شك أنها عزة مذمومة.
2.عزة المنافق، دوافعها الاغترار بالمواقف والمصالح.
إن المنافق هو شخص أخطر من الكافر على الإسلام والمسلمين، وذلك لأنه يظهر الإسلام والموالاة لأهله، في حين يبطن الكفر والعداء لهم، ويوالي الكفار، فخطره أشد وأعظم من الكافر نفسه، وكان هؤلاء المنافقون يبحثون عن مصالحهم، فيلهثون وراءهم سواءً كانت عند المسلمين أم عند الكافرين، وكانوا دائمًا يتحينون الفرص، وينتهزون المواقف ليثيروا الفتن.
ومنها ما أخبرنا به الله عز وجل في كتابه العزيز إذ قال: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) } [المنافقون:8] .