فهرس الكتاب

الصفحة 2339 من 2431

قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) } [التوبة:18] 40.

إن النصيحة ذات أهمية عظيمة عند ذوي الألباب والفهوم؛ لأنها إرشاد إلى الصواب وتوجيه نحو العمل الصالح والأخلاق الفاضلة والسيرة الحسنة وهداية إلى ما يعود نفعه وفائدته على المنصوح بالسعادة والعز والنصيحة، تبصير بالمضار حتى لا يقع فيها من لا يعرفها.

ولذلك ينبغي أن يكون الناصح ذا رأي ثاقب وعقل راجح قد جرب الأمور وعركته الأيام والليالي، وذاق حلوها ومرها وانتفع بما رآه فيها من عسر ويسر وفرح وسرور، وخلص قلبه من هم قاطع وغم شاغل ليسلم رأيه وتخلص نصيحته من الشوائب المكدرة 41.

والسعي في النصيحة من الأعمال التي قام بها الأبياء عليهم السلام.

قال تعالى إخبارًا عن نوح عليه السلام: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) } [الأعراف:59 - 62] .

وقال عن هود عليه السلام: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) } [الأعراف:65 - 68] .

وقال عن صالح عليه السلام: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) } [الأعراف:77 - 79] .

وقال عن شعيب عليه السلام: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) } [الأعراف:90 - 93] .

فإذا علمت أن شرًا سينزل بمؤمن غافل عنه فواجب عليك أن تنبهه وتحذره ليأخذ حذره من الكائدين، وأسرع بأخباره كما حذر رجل موسى عليه السلام.

قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) } [القصص:20] .

فهذا الرجل هو مؤمن آل فرعون والمشهور إن هذا الرجل المؤمن كان (قبطيًّا) من آل فرعون، وجاء من أقصى المدينة ومعنى {يَسْعَى} يعدو أي: من أطرافها البعيدة، {قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} فيه تأويلان:

أحدهما: يتشاورون في قتلك.

الثاني: يأمر بعضهم بعضًا بقتلك.

ومنه قوله: {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق:6] أي: ليأمر بعضكم بعضًا، والملأ أشراف القوم، والمنظور إليهم.

{إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص:20] أي: من الناصحين لك في الأمر بالخروج، والنصح للإنسان هو الإشارة عليه بما يصلح أمره، وقد كان السلف يطلب هذا بعضهم من بعض 42.

وتختلف النصيحة عن السعي بالنميمة؛ لأن النميمة نقل للحديث من قوم الى قوم على وجه الإفساد بينهم وهي من الكبائر، أما نقل الكلام بقصد النصيحة فواجب، كما يدل على ذلك قوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) } [القصص:20] 43.

ثانيًا: السعي المذموم:

إن السعي المذموم في القرآن الكريم لكل صور وأمثلة، منها:

إن الصد عن سبيل الله تعالى قد يكون بالانصراف والامتناع عنه.

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) } [النساء:61] .

وقد يكون بالصرف والمنع عن سبيل الله نحو قوله تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل:24] .

وقوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) } [محمد:1] إلى غير ذلك من الآيات 44.

وقد بين الله تعالى أن الكافرين والمنافقين يسعون مجتهدين في الصد عن سبيل الله تعالى بكل أنواع الصد، سواءً أكان بالإعراض عن القرآن، وعدم الالتفات إليه، أو كان ذلك بمنع وصرف من يريد اتباع الرسول، والإقرار بالقرآن الذي أنزله الله تعالى كما يدل عليه قوله بعد: {الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ:6] 45.

وفي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} ، إشارة إلى سعى هؤلاء المشركين، وأنه سعي للباطل والضلال، حيث يسعون لإعجاز آيات الله، وغلبتها وصرفها عن طريقها.

وفي تعدية الفعل بحرف الجر «في» الذي يفيد الظرفية، إشارة إلى أنهم يدخلون في آيات الله ويلبسون الحق بالباطل، إذ يحرفون الكلم عن مواضعه، ويلقون فيه بالهذر من القول، والسخف من الكلام 46.

ويكون المعنى: والذين جهدوا في إبطال آياتنا، ورد دعوة الدين، والتكذيب بها، وثبطوا الناس عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، ظنًا منهم أنهم يعجزوننا ويتفلتون من أمرنا وبعثنا لهم وأننا لا نقدر عليهم، فهم أهل النار الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها، المقيمون فيها على الدوام.

وقد بين الله تعالى أن هؤلاء هم أصحاب الجحيم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51) } [الحج:51] .

وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) } [سبأ:5] 47.

كما حكى القرآن ذلك عنهم في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) } [سبأ:38] .

كقوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) } [النحل:88] 48.

واختلف أهل التفسير في معنى قوله: {مُعَاجِزِينَ} ، قال الماوردي في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا} فيه وجهان:

أحدهما: أنه تكذيبهم بالقرآن، قاله يحيى ابن سلام.

الثاني: أنه عنادهم في الدين، قاله الحسن.

(معجزين) قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون (معاجزين) فمن قرأ معجزين ففي تأويله أربعة أوجه:

أحدها: مثبطين لمن أراد اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول السدي.

الثاني: مثبطين في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول مجاهد.

والثالث: مكذبين، حكاه ابن شجرة.

الرابع: معجزين لمن آمن بإظهار تعجيزه في إيمانه.

ومن قرأ (معاجزين) ففي تأويله أربعة أوجه:

أحدها: مشاققين، قاله ابن عباس.

والثاني: متسارعين حكاه ابن شجرة.

والثالث: معاندين، قاله قطرب.

والرابع: معاجزين يظنون أنهم يعجزون الله هربًا، قاله السدي 49.

ثم أخبر عن هؤلاء أنهم أصحاب النار بقوله: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [الحج:51] .

وقوله: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) } [سبأ:5] .

وقال الله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) } [النحل:88] .

فالعذاب من الرجز الأليم المذكور في «سبأ» هو عذاب الجحيم المذكور في الحج 50.

ثم توعدهم الله تعالى بالويل: {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3) } [إبراهيم:2 - 3] 51.

وأخبر تعالى أن أهل الكتاب يصدون عن سبيل الله، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) } [التوبة:34] .

وكذلك قال تعالى عن المشركين: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) } [الحج:25] .

وكذا قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) } [الأنفال:47] 52.

يقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة ذكره، ناهيًا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم، {بَطَرًا} أي: دفعًا للحق، {وَرِئَاءَ النَّاسِ} وهو المفاخرة والتكبر عليهم، كما قال أبو جهل: لما قيل له: إن العير قد نجا فارجعوا، فقال: لا والله لا نرجع، حتى نرد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبدًا، فانعكس ذلك عليه أجمع، لأنهم لما وردوا ماء بدر وردوا به الحمام، وركموا في أطواء بدر مهانين أذلاء، صغرةً أشقياء في عذاب سرمدي أبدي، ولهذا قال: {وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي: عالم بما جاءوا به وله، ولهذا جازاهم عليه شر الجزاء لهم 53.

إن السعي بالفساد من سجايا اليهود قولًا وفعلًا.

قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) } [المائدة:64]

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: ... ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله، فيكفرون بآياته ويكذبون رسله، ويخالفون أمره ونهيه، وذلك سعيهم فيها بالفساد والله لا يحب المفسدين» ، يقول: والله لا يحب من كان عاملًا بمعاصيه في أرضه» 54، أي: من سجيتهم أنهم دائمًا يسعون في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته 55.

وصفة السعي بالفساد من صفات الملوك الجبابرة، قال تعالى: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) } [النمل:34] .

وقال تعالى عن فرعون: {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) } [النازعات:22] .

فبعد أن رأى فرعون الآية الكبرى، وهي المعجزة الكبرى الدالة على صدق نبوته، وهي انقلاب العصا حيةً أو اليد، ومع ذلك كذب وخالف، كما قال تعالى: {فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) } أي: فكذب فرعون بموسى وبما جاء به وبالحق، وعصى الله عز وجل فلم يطعه، وتولى وأعرض عن الإيمان، وأخذ يسعى بالفساد في الأرض، ويجتهد في مكايدة موسى ومعارضة ما جاء به والعمل على إبطال أمره 56.

وكذلك يسعى المنافقون في الفساد في الأرض، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) } [البقرة:204 - 205] .

فالمنافق إذا تولى وأعرض وأدبر أو تولى إذا أصبح واليًا سلطانًا جارٍ، {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) } [البقرة:205] 57.

وقد ذكر المفسرون في سبب نزول الآية أقوالًا:

قال القاضي ابن عطية: «قال السدي: «نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبي، والأخنس لقب، وذلك أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام، وقال: الله يعلم أني صادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم من المسلمين، فأحرق لهم زرعًا، وقتل حمرًا، فنزلت فيه هذه الآيات، وما ثبت قط أن الأخنس أسلم.

وقال ابن عباس: نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة الرجيع عاصم بن ثابت وخبيب وابن الدثنة وغيرهم قالوا: ويح هؤلاء القوم لا هم قعدوا في بيوتهم ولا أدوا رسالة صاحبهم، فنزلت هذه الآيات في صفات المنافقين.

ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} الآية، وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء: نزلت هذه الآيات في كل مبطن كفر أو نفاق أو كذب أو إضرار وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك، فهي عامة» 58.

وقوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} .

قال المفسرون إن: المراد الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر، وقال مجاهد: المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل، وقيل: المراد أن المفسد يقتل الناس فينقطع عمار الزرع والمنسلون، وقال الزجاج: يحتمل أن يراد بالحرث: النساء وبالنسل نسلهن» 59.

قال القاضي أبو محمد بن عطية: «والظاهر أن الآية عبارة عن مبالغة في الإفساد، إذ كل فساد في أمور الدنيا، فعلى هذين الفصلين يدور» 60.

أي: أن المنافق أعوج المقال سيء الفعال، كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة، وليس له همة إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو نتاج الحيوانات اللذين لا قوام للناس إلا بهما، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} أي: لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك 61.

ومن الفساد في الأرض محاربة الله ورسوله كقطع الطريق وقتل النفس ونقض العهود والمواثيق.

قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) } [المائدة:33 - 34] .

والمحاربة هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر، 62 حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قطع الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض.

وقد قال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) } [البقرة:205] .

ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما روى ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري، قالا: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب.

قال الإمام ابن كثير: «والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات.

كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة واسمه عبدالله ابن زيد الجرمي البصري عن أنس بن مالك أن نفرًا من عكل ثمانية، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال (ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها) فقالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا، فقتلوا الراعي، وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا 6364.

وقال ابن عاشور: «وفي الآية الكريمة إشارة إلى بني إسرائيل، وإلى أنهم هم الوجه البارز في الإنسانية، الذي تظهر فيه تلك المنكرات ظهورًا واضحًا، حتى لتكاد تكون الأصل الذي يقاس عليه كل منكر يظهر في الناس. فهم يحادون الله ورسوله، والمحادة هي العدوان على حدود الله، والاستباحة لحرماته» 65.

إن السعي في خراب المساجد من أظلم الظلم كما قال ربنا جل وعلا: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) } [البقرة:114] .

أي: لا أظلم ممن اجتهد وبذل وسعه في خرابها الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها، وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام، لكل من اتصف بهذه الصفة 66.

وقد اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها؟ على قولين:

القول الأول: إن المراد بالذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها بأنهم هم النصارى قال مجاهد: هم النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه وعن قتادة قال: هو بختنصر وأصحابه، خرب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى، وقال سعيد عن قتادة: قال أولئك أعداء الله، النصارى حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس، حتى خربه وأمر أن تطرح فيه الجيف 67.

وهذا القول اختاره ابن جرير، واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت