فهرس الكتاب

الصفحة 1695 من 2431

وقيل: المعنى: لما انسلبت عقولهم في طلب المكاسب الربوية خفت أحلامهم، وضعفت آراؤهم، وصاروا في هيئتهم كالمجانين.

ثم بين سبحانه شؤم الربا على صاحبه بأنه يمحق ويذهب بركة المال، فيكون سببًا في وقوع الآفات فيه ونزع البركة عنه، وفي مقابل ذلك تكون البركة والنماء والزيادة في المال الذي أخرجت منه الصدقات 102.

وبعد أَنْ بَيَّنَ الله تعالى لهم حال أَكَلَةِ الربا وعقابهم وأثره عليهم، خاطب أهل الإيمان، ونهاهم عن الربا؛ لأن الإيمان هو الوازع الأقوى والدافع الحقيقي للبعد عن كل ما حرمه الله تعالى.

فمن كان مؤمنًا وجب عليه الامتثال بالابتعاد عن الربا، فإنَّ أَكْلَ الربا والتعامل به دلالة عدم الإيمان.

وقد نَدَّدَ الله تعالى باليهود وبين عاقبة أمرهم لما استحلوا الربا فقال سبحانه: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء:160 - 161] .

وقد كان الربا منتشرًا بشكل كبير في الجاهلية، فجاء الإسلام وحرمه ومنعه، وكان التحذير الإلهي من التعامل به وأكله، وكذا حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه) 103.

واعتبره النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات كما في حديث: (اجتنبوا السبع الموبقات) وذكر منها: أكل الربا 104.

فالربا أخبث الكسب وأكبر الكبائر، وأعظم الجرائم، يهلك الأموال قليلها وكثيرها، ويستوجب صاحبه اللعن ما لم يتب، وهو حرب لله ورسوله، كما في الآيات السابقة، وأين التوفيق والبركة والخير لمن حارب الله ورسوله؟

ومع كل هذا التحريم والتهديد لآكل الربا والمتعامل به، فإن فئات من المسلمين قد تجرَّؤوا على حدود الله تعالى، وأكلوا الربا، وخالفوا أمر الله تعالى ورسوله الكريم، وكان للبنوك النصيب الأكبر في خوض الناس في هذا الكسب الباطل، بتضليلهم، وتنميق المسميات، وتزييفها، إضافةً إلى الإعلانات عبر وسائل الإعلام، تحت شعارات مضللة، وانتشار الأسهم والمساهمات المشبوهة، كل هذا مع جهود العلماء في التبيين والتعليم والتذكير والتحذير وإصدار الفتاوى.

لكن اللهث وراء المادة والمال، والتعلل بأتفه الأسباب، والانسياق خلف إعلانات البنوك والشركات والمساهمات، أوقع كثيرًا من الناس في الربا؛ فخالفوا أمر الله تعالى وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) } [النور:63] .

وقال عز وجل في المتعاملين بالربا: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) } [النساء:14] .

فكل من تعامل بالربا فقط عرض نفسه للوعيد والعقاب الشديد في الدنيا والآخرة، بل إن آكل الربا يعذب من وقت موته، كما في الحديث (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ماهذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا) 105.

والمقصود بها ما يعطي من مالٍ لإبطال حقٍّ أو لإحقاق باطل.

قال القرضاوي: «هي ما يدفع من مال إلى ذي سلطان، أو وظيفة عامة، ليحكم له أو على خصمه بما يريد هو، أو ينجز له عملًا أو يؤخر لغريمه عملًا» 106.

وقال الصنعاني: «الراشي هو الذي يبذل المال ليتوصل به إلى الباطل، مأخوذ من الرشا وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء في البئر» 107.

وقد جاء في نصوص الشرع النهي عن الرشوة وأخذها وبيان عقوبة فاعلها.

قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:188] .

جاء في معنى الإدلاء بها إلى الحكام أنه الدفع والإعطاء، أي: لا تعطوا الحكام وترشوهم بالأموال ليقضوا لكم بما هو أكثر منها، هذا المعنى على القول بأن مرجع الضمير في {وَتُدْلُوا بِهَا} عائد على الأموال 108. وفي الحديث: (لعن رسول الله الراشي والمرتشي والرائش) 109.

والراشي: دافع المال، والمرتشي: آخذه، والرائش: الذي يسعى بينهما. وكلهم في الذنب والعقوبة سواء.

والرشوة من وسائل أكل أموال الناس بالباطل، وقد أصحبت ديدنًا لكثير من الناس في هذا الزمان، نتيجة الفساد الإداري المالي الذي فشا في المجتمع، فصار البعض لا يتورع عن قبض الرشوة، ولا يتحرز من دفعها، وهذا من التهاون بكبيرة من كبائر الذنوب، وأكل للحرام والسحت الذي نهى الله عنه، قال ابن مسعود في تفسير {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} : «السحت أن يستعينك الرجل على مظلمة فيهدي لك، فإن أهدى لك فلا تقبل» 110.

وكذا فسره ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير، بأن السحت: الرشوة 111. وعند الراغب: «سميت الرشوة سحتًا» 112.

وهذا يعم كل كسب حرام، فكل ما أخذ بالباطل فهو حرام، فيدخل فيه ماتقدم من الربا والرشوة ويدخل فيه غيره من أبواب الكسب المحرم، الذي هوأكل لأموال الناس بالباطل.

وقد نهى الله تعالى عن أكل أموال الناس بالباطل في أكثر من موضع في كتابه العزيز.

قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188] .

قال الشوكاني في تفسير الآية: «هذا يعم جميع الأمة وجميع الأموال، لا يخرج عن ذلك إلا ما ورد دليل الشرع بأنه يجوز أخذه، فإنه مأخوذ بالحق لا بالباطل، ومأكول بالحل لا بالإثم، وإن كان صاحبه كارهًا كقضاء الدَّيْنِ إذا امتنع منه من هو عليه، وتسليم ما أوجبه الله من الزكاة ونحوها، ونفقة من أوجب الشرع نفقته. والحاصل أن ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه فهو مأكول بالباطل، وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان الكاهن وثمن الخمر.

وقوله: {وَتُدْلُوا} المعنى: إنكم لا تجمعوا بين أكل أموال الناس بالباطل وبين الإدلاء بها إلى الحكام بالحجج الباطلة. وفي هذه الآية دليلٌ على أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال، فمن حكم له القاضي بشيء مستندًا في حكمه إلى شهادة زور أو يمين فجور فلا يحل له أكله، فإن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وكذا إذا أرشى الحاكم فحكم له بغير الحق فإنه من أكل أموال الناس بالباطل» 113.

قال القرطبي: «الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق وما لا تطيب به نفس مالكه، أوحرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك» 114. فتفسير (الباطل) على وجهين:

أحدهما: أن يأخذه من غير طيب نفسٍ من مالكه كالسرقة والغصب والخيانة.

والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه كالقمار والغناء وثمن الخمر 115.

وقال السعدي في تفسير الآية: «يدخل في ذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية أو نحو ذلك، ويدخل فيه أيضًا أخذها على وجه المعاوضة بمعاوضة محرمة كعقود الربا والقمار كلها، فإنها من أكل المال بالباطل؛ لأنه ليس في مقابلة عوض مباح، ويدخل في ذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء ونحوها، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه، ويدخل في ذلك أخذ الأجرة على العبادات والقربات التي لا تصح حتى يقصد بها وجه الله تعالى، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات والأوقاف والوصايا لمن ليس له حقًٌ منها أو فوق حقه، فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه، حتى ولو حصل فيه النزاع، والارتفاع إلى حاكم الشرع، وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة غلبت حجة المحقِّ، وحكم له الحاكم بذلك، فإن حكم الحاكم لا يبيح محرمًا ولا يُحِلُّ حرامًا» 116.

وعليه فتناول الحرام محرم من أي وجه كان، سواء أكان رشوة أو سرقة أو ربا أو غلولًا أو قمارًا أو غصبًا، أو اختلاسًا من وراء وظيفة، أو قيمة شيء محرم أو أجرته، كثمن آلات اللهو والصور المحرمة والكتب والمجلات والصحف المشتملة على الإلحاد أو الخلاعة، وكثمن الخمر والدخان، وكالأجرة على الرقص والغناء والعزف، وعلى شهادة الزور، وما اقتطع بيمين كاذبة أو أخذ بغير حقًّ، وإن كان حكم به القاضي، إلى غير ذلك من طرق الكسب الحرام.

ومما ورد في النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29] .

وخص الله تعالى اليتيم بالنهي عن أكل ماله لضعفه، فقال عز وجل: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء:6] .

وفي التشنيع على آكل مال اليتيم يقول سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) } [النساء:10] .

وفي الأمر بحفظ مال اليتيم وعدم التعرض له إلا بما فيه صلاحه ونفعه، يقول تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام:152 والإسراء:34] .

وأكل أموال الناس بالباطل من صفات اليهود، فقد ذكر الله تعالى أن أكل الحرام من صفات اليهود المغضوب عليهم فقال تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة:42] .

وقال تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المائدة:62] .

وأخبر سبحانه أنه حرم على اليهود كثيرًا من الطيبات عقوبةً لهم على ظلمهم وإعتدائهم، وأكلهم أموال الناس بالباطل، فقال سبحانه: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء:160 - 161] .

قال شيخ الإسلام: «والأصل في ذلك أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل، وذم الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وذم اليهود على أخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل، وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل في المعاوضات والتبرعات وما يؤخذ بغير رضا المستحق والاستحقاق، وأكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان ذكرهما الله في كتابه: هما الربا والميسر، فذكر تحريم الربا الذي هو ضد الصدقة في آخر سورة البقرة وسورة آل عمران والروم والمدثر، وذم اليهود عليه في سورة النساء، وذكر تحريم الميسر في المائدة» 117.

وأكل أموال الناس بالباطل باب واسع، وصوره كثيرة ومتعددة ومما جاء التنبيه إليه في القرآن ما يلي:

1.السرقة، قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [المائدة:38] .

2.أكل أموال الناس بالقمار والميسر والخمر. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?90?إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ? فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ [المائدة:90 - 91] . والميسر يشتمل على مفسدتين كما ذكر ابن تيمية: «مفسدة أكل المال بالحرام، ومفسدة اللهو الحرام والصَّدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة، والوقوع في العداوة والبغضاء» 118.والمقصود بالميسر القمار بأي نوع كان.

3.أكل أموال الناس بالرشوة. وقد تقدم.

4.أكل أموال الناس بالربا. وقد تقدم.

5.أكل أموال الناس بالتطفيف في الكيل والميزان. قال تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ? ذَ?لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ?35?) [الاسراء:35] . وقال سبحانه: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ(1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) [المطففين:1 - 3] .

6.أكل أموال الناس باسم الشرع والتقرب والتزلف إلى الله تعالى، كما كان الأحبار والرهبان يأخذون أموال أتباعهم ضرائب وفروضًا باسم الكنائس والبِيَعِ، أو مقابل صكوك الغفران، وإصدار الفتاوى لتحليل الحرام والحكم بغير ما أنزل الله، وغير ذلك، ويوهمونهم أن النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى الله، وهم يحجبون تلك الأموال ويأكلونها بالباطل، فكانوا يأكلون الدنيا بالدين، لذلك ندد الله بهم في قوله: (وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ?) [النساء:161] . وقال سبحانه: (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) [التوبة:34] . ومثل ذلك النذور التي تدفع، والأوقاف التي تخصص لقبور الأنبياء والصالحين، أو الأموال التي تصرف مقابل الدعاء والشفاعة 119.

إضافة لما ورد في السنة من بيانٍ للمعاملات المحرمة كالغصب والنهب والغش والاحتكار وأصناف البيوع التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فالتعامل بأحدها هو أكل لأموال الناس بالباطل.

من أعظم مميزات وسمات الدين الإسلامي: الوسطية، فهو يأمر بالوسطية والاعتدال، ويقيم جميع الأوامر والنواهي والتوجيهات والتشريعات على هذا المبدأ العظيم، فيأمر بالتوسط في كل أمر، وينبذ الإفراط أو التفريط، ويرشد إلى أقوم الطرق وأسدها وأعدلها في كل شؤون الحياة.

ومن ذلك أمره بالاعتدال في الإنفاق واتخاذ المنهج القويم بين الإسراف والتبذير والبخل والتقتير.

والناس في الإنفاق طرفان ووسط:

وقد جاءت آيات الكتاب العزيز تحذر من الضدين - الإسراف والبخل - وتأمر بالطريق الوسط المعتدل بينهما وتقرر سلامة هذا المنهج الشرعي وتؤيده.

فنهى عن البخل، وحذر من هذا المسلك، وبين انحراف هذا المنهج فقال سبحانه وتعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ? بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ? سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ?) [آل عمران:180] .

وقال عز وجل: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ?23?الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ? وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ?24?) [الحديد:23 - 24] .

وقال مبينًا خصلة من خصال المنافقين: (فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ) [التوبة:76] .

وقال سبحانه: (هَا أَنْتُمْ هَ?ؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ? وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ? وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ? وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ?38?) [محمد:38] .

وقال تعالى: (قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ? وَكَانَ الْإِنسَانُ) الإسراء:100].

قال ابن كثير: «يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل لهم يا محمد لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله لأمسكتم خشية الإنفاق، قال ابن عباس وقتادة: أي: الفقر خشية أن تذهبوها، مع أنها لا تنفد ولا تفرغ أبدًا، لأن هذا من طباعكم وسجاياكم، ولهذا قال: (وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًہ) .

قال ابن عباس وقتادة: أي: بخيلًا مَنُوعًا، وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًاٹ) أي: لو أن لهم نصيبًا في ملك الله لما أعطوا أحدًا شيئًا ولا مقدار نقير» 120.

وقال القرطبي في تفسير قوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ? بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ) : «هذه الآية نزلت في البخل بالمال، والإنفاق في سبيل الله، وأداء الزكاة المفروضة» 121.

وكما جاءت الآيات محذرة من عاقبة البخل والتقتير، فقد جاءت ناهية عن الطرف المقابل وهو الإسراف والتبذير.

قال تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى? حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ?26إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ? وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ?27?) [الاسراء:26 - 27] .

وقال جل وعلا: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ? وَلَا تُسْرِفُوا ? إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الانعام:141] .

وقال سبحانه: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ? إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف:31] .

والإسراف: مجاوزة الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وهو في الإنفاق أشهر 122.

وقد فسر التبذير بالإسراف، قال ابن منظور: «بَذَّرَ ماله أفسده وأنفقه في سرف، والتبذير: إفساد المال وإنفاقه في السرف والمُبَذِّرُ: المسرف في النفقة» 123.

قال ابن كثير: «التبذير إفساد المال وإنفاقه في السرف (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) نهى عن الإسراف» 124.

وعلى ذلك فالتبذير والإسراف بمعنى واحد.

وفسر التبذير كذلك بإنفاق المال في غير حقِّه، من الإنفاق في المعاصي والمحرمات.

قال ابن جرير: « (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) لا تفرق يا محمد ما أعطاك الله من مالٍ في معصيته تفريقًا. قال قتادة: التبذير: النفقة في معصية الله، وفي غير الحق وفي الفساد» 125.

وقال القرطبي: «التبذير: الإسراف في غير حق» 126.

وقال القاسمي: « (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) أي: بوجه من الوجوه، بالإنفاق في محرم أو مكروه، أو على من لا يستحق، فتحسبه إحسانًا إلى نفسك أو إلى غيرك» 127.

وعلى ذلك يكون التبذير مقيدًا بما كان في غير الحق، لذلك قال ابن جريج ومجاهد: «لو أنفق إنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيرًا، ولو أنفق مدًّا في باطل كان تبذيرًا» 128.

وقال الشافعي: «التبذير إنفاق المال في غير حقِّه، ولا تبذير في عمل الخير، وهذا قول الجمهور» 129.

وعليه فالإنفاق في وجوه البر والخير، لاسيما الصدقة، لايدخل في باب الإسراف والتبذير المنهي عنه.

وكما نهى الله تعالى وحذر من الطرفين (الإسراف والبخل) فإنه سبحانه وتعالى وجه إلى طريق الاستقامة، وسبيل الوسط، ومنهج السلامة، فقال سبحانه في وصف أهل الإيمان: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَ?لِكَ قَوَامًا) [الفرقان:67] .

قال ابن القيم «أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا» 130.

وقال سبحانه في توجيهه لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى? عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) [الاسراء:29] .

وفي بيان هذه الوسطية يقول الراغب: «الإنفاق ضربان: ممدوح ومذموم.

فالممدوح منه: ما يكسب صاحبه العدالة، وهو بذل ما أوجبت الشريعة بذله، كالصدقة المفروضة والإنفاق على العيال.

والمذموم ضربان: إفراط وهو التبذير والإسراف، وتفريط وهو التقتير والإمساك، وكلاهما يراعى فيه الكمية والكيفية.

فالأول: من جهة الكمية أن يعطي أكثر مما يحتمله حاله. ومن جهة الكيفية بأن يضيعه في غير موضعه.

أما الثاني: وهو التقتير فهو من جهة الكمية أن ينفق دون ما يحتمله حاله، ومن حيث الكيفية، أن يمنع من حيث يجب، ويضع حيث لا يجب» 131.

أولًا: وجوه الإنفاق المشروع:

كما بين الله تعالى وأرشد إلى وجوه كسب المال المشروعة، وأمر بطلب الرزق، ووجه للكسب الطيب الحلال، ورتب عليه الأجر العظيم والثواب الجزيل، فإنه كذلك بين سبحانه وفصل في وجوه إنفاق هذا المال ونبه إلى أبواب الإنفاق المشروعة، وحث على البذل والعطاء في كل بابٍ من أبواب الصرف والإنفاق المحمودة والمشروعة، سواءً كانت الواجبة أو المندوبة. ومن وجوه الإنفاق المحمود والمشروع في القرآن الكريم ما يلي:

1.الإنفاق في الواجبات:

ومن ذلك:

أوجبها الله عزوجل في المال بشروطٍ معينة محددة، وجعلها ركن من أركان هذا الدين العظيم، وبين مصارفها ووجوه إنفاقها، وحدد المستحقين لها دون غيرهم من فئات المجتمع.

قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ? إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [التوبة:103] .

قال السعدي: « (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) وهي الزكاة المفروضة» 132.

وقال عز وجل: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [الذاريات:19] .

وقال سبحانه: (. وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ*لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [المعارج:24 - 25] .

ذكر الله ذلك ضمن أوصاف أهل الإيمان، ووصفهم هنا بأداء الزكاة والبر والصلة، بجعل جزءٍ مقسومٍ ونصيب مفروض من أموالهم مقررًا لذوى الحاجات 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت