أولًا: المعنى اللغوي:
التثبت مأخوذ من الفعل ثبت، ويطلق في اللغة على أمور:
التأنّي أو التريّث وعدم الاستعجال، تقول: تثبّت في الأمر والرأي، واستثبت: تأنّى فيه ولم يعجل، واستثبت في أمره: إذا شاور وفحص عنه 1.
1.طلب ما يكون به الثبات على الأمر؛ أي: لزومه وعدم التحوّل عنه أو تجاوزه إلى غيره، وبعبارةٍ أخرى؛ طلب الدليل الموصل إلى الثبات على الأمر، فيقال: فلان ثابت عندي، ونبوة النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة 2.
2.التأكّد من حقيقة ما يعين على الثبات في الأمر، وبعبارة أخرى: فحص الدليل الموصل إلى الثبات في الأمر، تقول: أثبت الأمر: حقّقه، صحّحه، وأثبت الكتاب: سجّله، وأثبت الحقّ: أقام حجّته، وأثبت الشيء: عرفه حقّ المعرفة 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
يمكن تعريف التثبت بأنه: التأني وعدم التسرع في كل الأحوال التي يقع للإنسان فيها نوع اشتباه، حتى يتضح له الأمر، ويتبين الرشد والصواب والحقيقة، وإفراغ الجهد والوسع لمعرفة حقيقة الحال المراد 4.
1.ورد لفظ (التثبّت) في القرآن الكريم (3) مرات، في سورتين، في قراءة حمزة والكسائي وخلف 5.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
فعل الأمر ... 3 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَثَبَّتُوا} [النساء:94]
وجاء التثبت في القرآن الكريم بمعناه اللغوي الذي يدور حول التأني والتريث وعدم الاستعجال.
1.التبين:
التبين لغة:
مصدر تبيّن إذا تثبّت في الأمر. ويقال: تبيّنت الأمر أي: تأمّلته وتوسّمته، واستبنت الشّيء إذا تأمّلته حتّى تبيّن لك. والبيان: ما بيّن به الشّيء من الدّلالة وغيرها. وبان الشّيء بيانًا: اتّضح، فهو بيّن، وكذلك أبان الشّيء فهو مبين. وأبنته أنا أي: أوضحته، واستبان الشّيء: ظهر. واستبنته أنا: عرفته، وتبيّن الشّيء: ظهر 6.
التبين اصطلاحًا:
مرتبة من مراتب وصول العلم يراد بها طلب الحقيقة بعد التباسها.
يقول الكفويّ: «اعلم أنّ مراتب وصول العلم إلى النّفس: الشّعور ثمّ الإدراك ثمّ الحفظ ثمّ التّذكّر ثمّ الذّكر ثمّ الرّأي، وهو استحضار المقدّمات وإجالة الخاطر فيها، ثمّ التّبيّن وهو علم يحصل بعد الالتباس، ثمّ الاستبصار وهو العلم بعد التّأمّل ... » 7.
الصلة بين التثبت والتبين:
يرى بعض أهل العلم أن التثبت والتبين بمعنى واحد، وذلك عند توجيههم لقراءة {فَتَبَيَّنُوا} ، و {فتثبتوا} 8.
ويرى بعضهم أن المعنيين متقاربان؛ لأن من تبيّن فقد تثبّت، ومن تثبّت فقد تبيّن 9.
ويرى بعض أهل العلم أن بينهما فرقًا، فقد ذكر أبو علي الفارسي في توجيهه لقراءة {فَتَبَيَّنُوا} ، و {فتثبتوا} أن التثبّت هو خلاف الإقدام، والمراد: التأنّي، ومما يقوّي ذلك قولهم: تثبّت في أمرك. ولا يكاد يقال في هذا المعنى: تبيّن.
وأما التبيّن فليس وراءه شيء، وقد يكون تبينت أشدّ من تثبّت 10.
ومن الفروق بينهما: أن «المراد من التبين: التعرّف والتفحص، ومن التثبت: الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر» 11.
والراجح أن بينهما فرقًا، فلو لم يكن بينهما فرق لما جاءت القراءة الأخرى باللفظ الآخر، فهناك فرق بينهما، والذي أراه -والله أعلم- أن التبين يكون بالبحث في الوسائل المادية التي من شأنها أن ترى وتبان، بينما التثبت يكون من جهة الأمور المعنوية كالسماع.
النظر:
النظر لغةً:
يقصد به في اللغة التأمل والتفحّص، يقال: نظره، أي: تأمّله بعينه 12.
وعبارة الراغب: «نظرت إلى كذا -إذا مددت طرفك إليه-: رأيته أو لم تره، ونظرت فيه: إذا رأيته وتدبرته» 13.
النّظر اصطلاحًا:
تقليب البصر والبصيرة؛ لإدراك الشيء ورؤيته، وقيل: هو التحديق لإدراك الصور، في أول مراتب الإبصار، ثم تليه الرّؤية، وهي من لوازمه.
الصلة بين التثبت والنظر:
يتضح من خلال تعريف التثبت والنظر أن النظر وسيلة من وسائل التثبت.
التبصر:
التبصر لغة:
مصدر قولهم: تبصّر الشّيء إذا نظر إليه هل يعرفه؟ وهو مأخوذ من مادّة (ب ص ر) الّتي تدلّ على العلم بالشّيء، ومعناه: التّأمّل والتّعرّف، أمّا التّبصير فهو التّعريف والإيضاح، يقال: بصّره بالأمر تبصيرًا وتبصرة فهّمه إيّاه 14.
التبصر اصطلاحًا:
يمكن تعريفه بأنه النّظر إلى الشّيء بقصد معرفته 15.
وعرّفه القرطبي بأنه «معرفة الشّيء على الحقيقة من خلال البراهين» 16.
ويمكن تعريفه بأنه: «طلب معرفة الأمور على حقيقتها من خلال البراهين الحسّيّة الّتي يمكن للعين رؤيتها، وللبصيرة (أي: قوّة القلب المدركة) تأمّلها واعتقاد صحّتها» 17.
الصلة بين التثبت والتبصر:
يلاحظ أن التبصر وسيلة من وسائل التثبت.
ولا شكّ بأنّ كلّ لفظة من ألفاظ القرآن الكريم لها كيانها الخاص بها، ومعانيها التي لا يمكن أن تحملها لفظة أخرى من ألفاظ الكتاب العزيز، وإنما يكون الاشتراك بين بعض الألفاظ في جزء من المعاني، لا في كلها.
العجلة:
العجلة لغة:
العين والجيم واللام أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الإسراع، والآخر على بعض الحيوان، والجمع عجل وعجلات، والعجل والعجلة: خلاف البطء 18.
العجلة اصطلاحًا:
قال الرّاغب: «العجلة: طلب الشّيء وتحرّيه قبل أوانه» 19.
وقال المناوي: «العجلة: فعل الشّيء قبل وقته اللّائق به» 20.
الصلة بين التثبت والعجلة:
العجلة من الألفاظ المقابلة للتثبت، فهي ضد التثبت.
1.إن للتثبت أهمية عظيمة في حياة الناس، فعندما يبني الإنسان تصوراته، ويصدر أحكامه على أساس من العلم، وليس الظن والتخريص، فإن ذلك يحميه من الوقوع في ظلم الناس، واتهامهم في أعراضهم وأموالهم 21.
والتثبت يعدّ من أجل الآداب والأخلاق التي طالب الشرع بالتحلي بها والاتصاف بها. وإن من يتأمل في واقع الناس اليوم، وينظر في الكم الهائل من الأخبار التي نسمعها في كل يوم، ويرى الاختلاف والتباين بين مصادر هذه الأخبار، يدرك عظمة هذا الدين، وسمو هذا المنهج الذي دعا إليه الإسلام، وأمر به القرآن والسنة.
ولذلك يقول سيد قطب: «التثبت من كل خبر ومن كل ظاهرة، ومن كل حركة قبل الحكم عليها، هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق.
ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة، ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم» 22.
وقد جاء الأمر بالتثبت في نصوص كثيرة، منها قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] .
قال الشيخ السعدي: «والتثبت في سماع الأخبار وتمحصيها ونقلها وإذاعتها، والبناء عليها أصل كبير نافع، أمر الله به رسوله، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} فأمر بالتثبت، وأخبر بالأضرار المترتبة على عدم التثبت، وأن من تثبت لم يندم، وأشار إلى الميزان في ذلك في قوله تعالى: {أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} وأنه العلم والتحقق في الإصابة وعدمه، فمن تحقق وعلم كيف يسمع، وكيف ينقل وكيف يعمل، فهو الحازم المصيب، ومن كان غير ذلك فهو الأحمق الطائش الذي مآله الندامة» 23.
وعبر في الآية بحرف «إن» الذي يفيد التشكيك، ولم يقل: «إذا» لأنها تفيد التحقيق؛ ليبرهن على أن وقوع مثل هذا الحدث في المجتمع الإسلامي على سبيل الندرة، وأن الأصل في المؤمن الصدق.
والأمر في الآية بالتثبت من خبر الفاسق «لأن الفاسق ضعيف الوازع الديني في نفسه، وضعف الوازع يجرؤه على الاستخفاف بالمحظور، وبما يخبر به في شهادة أو خبر يترتب عليهما إضرار بالغير أو بالصالح العام، ويقوي جرأته على ذلك دومًا إذا لم يتب ويندم على ما صدر منه ويقلع عن مثله» 24.
وتتضح أهمية التثبت في العلة والنتائج التي أمر الله من أجلها بالتثبت، فالعلة في قوله: {أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} «أي: تثبتوا - أيها المؤمنون- من صحة خبر الفاسق؛ لئلا تصيبوا قومًا بما يؤذيهم، والحال أنكم تجهلون حقيقة أمرهم، أو خشية أن تصيبوا قومًا بجهالة؛ لظنكم أن النبأ الذي جاء به الفاسق حقًّا» 25.
وأما النتائج المترتبة على عدم التثبت فذلك قوله تعالى: {فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} أي: فتندموا على ما فرط منكم وتتمنّوا أن لو لم تكونوا فعلتم ذلك.
فالآية ترشدنا إلى وجوب التثبت من الأخبار، والتحذير من الاعتماد على مجرد الأقوال؛ منعًا من إلقاء الفتنة بين أفراد وجماعتهم، وأخذًا بالحيطة والحذر، وعدم إيذاء الآخرين بخطأ فادح، فيصبح المتسرع في الحكم والتصديق نادمًا على العجلة، وترك التأني والتأمل.
وما أحوجنا في هذا الزمان لهذا الأدب الذي سهل فيه انتشار الأخبار بسرعة مذهلة، فبمجرد ضغطة زر ينتشر الخبر على الآلاف بل ملايين البشر، وبعض الناس لا يحتاج أن يضغط زرًّا، بل هو بنفسه مذياع ما أن يسمع الخبر إلا ويطير به طيرانًا، وهو لم يتأكد بعد من صحة الخبر وتفاصيله وأحداثه، وإنما تلقّفه ونشره وأذاعه.
قال ابن الجوزي مبينًا أهمية التثبت: «ما اعتمد أحد أمرًا إذا هم بشيء مثل التثبت، فإنه متى عمل بواقعة من غير تأمل للعواقب، كان الغالب عليه الندم، ولهذا أمر الإنسان بالمشاورة؛ لأن الإنسان بالتثبت يطول تفكيره، فتعرض على نفسه الأحوال، وكأنه شاور، وقد قيل: «خمير الرأي خير من فطيره» .
وأشد الناس تفريطًا من عمل مبادرة في واقعة من غير تثبت ولا استشارة، خصوصًا فيما يوجب الغضب، فإنه بنزقه طلب الهلاك واستتبع الندم العظيم، فالله الله، التثبت، التثبت في كل الأمور، والنظر في عواقبها» 26.
وإذا كانت آية سورة الحجرات أمرت بالتثبت في جميع الأحوال، فإن التثبت في حال الحروب آكد من غيرها؛ لكثرة الإشاعات والمغرضات في التثبيط من العزائم، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94] .
وببيان سبب نزول الآية يتبين المراد، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رجل في غنيمة له، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} 27.
«فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله، ومجاهدة أعداء الله، وقد استعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم، مأمورًا بالتبين لمن ألقى إليه السلام، وكانت القرينة قوية في أنه إنما سلّم تعوذًا من القتل وخوفًا على نفسه - فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبت فيها العبد، حتى يتضح له الأمر ويتبين الرشد والصواب {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} فيجازي كلًّا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم» 28.
قال الطبري في تفسير الآية: «فتأنّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينًا حربًا لكم ولله ولرسوله» 29.
نرى هنا أهمية التثبت كيف وضّحها الله سبحانه وتعالى، حتى في الحرب طلب منا التثبت، وهي مظنة قتال وخداع وغيره من أمور الحروب التي جرت عليها.
ويزداد هذا الواجب توكيدًا إذا تعلّق الأمر بالدّماء والأعراض والأحكام الشّرعيّة؛ لما في انتشار الأخبار الكاذبة من ضرر عظيم، وشرّ جسيم.
وتتبين أهمية التثبت في ذم الله تعالى المسارعين في نقل الأخبار، فقال: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15] .
وتتجلى أهمية التثبت في معرفة الأضرار الكثيرة الواقعة على الفرد والمجتمع من جراء عدم التثبت، فـ «المشاهد والواقع أن عدم التثبت وعدم التأني يؤديان إلى كثير من الأضرار والمفاسد، فقد يسمع الإنسان خبرًا، أو يقرأ نبأ في صحيفة، أو مجلة، فيسارع بتصديقه، ويعادي ويصادق، ويبني على ذلك التصرفات والأعمال التي يصدرها للمقاومة أو الموافقة، على أساس أنه حق واقع، ثم يظهر أنه كان مكذوبًا، أو محرفًا، أو مزورًا، أو مبالغًا فيه، أو مرادًا به غير ما فهمه الإنسان، ومن هنا يكتوي المتسرع بلهب الندم والحسرة بسبب استعجاله وعدم تثبته» 30.
وتأكيدًا لأهمية التثبت، وزيادة في الحرص على عدم ذيوع الإشاعات والأكاذيب في المجتمع، فقد أمرت الشريعة الإسلامية المؤمنين بالإعراض عن جميع أنواع اللغو وبأية صفة كانت وهيئة تبدّت، فهي من أعمال الجهل المنهي عنها، قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55] .
وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 1 - 3] .
فقد بيّنت الآيات أن التثبت والإعراض عن لغو الكلام سبب من أسباب الفلاح، وأن ذلك صفة ملازمة للمؤمنين.
ولأجل ذلك حذر الشارع أشد التحذير من نقل الشخص لكل ما يسمعه، فعن حفص بن عاصم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع) 31.
قال الإمام مالك: «اعلم أنّه ليس يسلم رجل حدّث بكل ما سمع، ولا يكون إمامًا أبدًا وهو يحدّث بكل ما سمع» 32.
قال النووي: «وأما معنى الحديث والآثار التي في الباب ففيها الزجر عن التحديث بكل ما سمع الإنسان، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدّث بكل ما سمع فقد كذب؛ لإخباره بما لم يكن، وقد تقدم أن مذهب أهل الحق أن الكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، ولا يشترط فيه التعمد، لكن التعمد شرط في كونه إثمًا» 33.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها، يهوي بها في النار، أبعد ما بين المشرق والمغرب) 34.
ففي قوله صلى الله عليه وسلم: (ما يتبين فيها) بيان أنه لا يتثبت من الخبر، ولا ما يدور حوله من معطيات ربما تكذّب هذا الخبر، فيكون أحد الكاذبين؛ لأنه استعجال دون تبين وتروي في الكلام.
ولذلك قال ابن حجر رحمه الله: «لا يتطلب معناها، أي: لا يثبتها بفكره، ولا يتأملها حتى يتثبّت فيها فلا يقولها إلا إن ظهرت المصلحة في القول» 35.
وأخبر سبحانه أن الإنسان مسؤول أمام الله عز وجل ومحاسب عن كل صغير وجليل فقال: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]
وتظهر أهمية التثبت في حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على التأني في الأمور كلها، فقال: (التأني من الله، والعجلة من الشيطان) 36.
فقوله: (التأني من الله) أي: مما يرضاه، وأمر به، ويوفّق إليه، ويثيب عليه (والعجلة من الشيطان) أي: هو الحامل عليها بوسوسته؛ لأن العجلة تمنع من التثبت والنظر في العواقب 37.
والشّاهد من هذه النّصوص هو: الأمر بالتثبّت في الأخبار الّتي ينقلها النّاس، هذا في عصر الهدى والنّور، والعلم والإيمان، فكيف بزمن قلّ فيه ذلك كلّه؟!
ومن خلال ما سبق يتضح أن التثبت من كل الأخبار والأحداث قبل الحكم عليها هو دعوة القرآن الكريم ومنهج الإسلام الدقيق، حيث إن تلقّف الأخبار بغير تبين وتروي قد يحيلها أحيانًا إلى غير مقاصدها، وينتج عنها بعد ذلك خطر عظيم، والاستماع إلى الكذب لا يجوز؛ لأن مداومة الاستماع إليه مدعاة لتصديقه وترديده وترويجه بين الناس، وقد يلتقط بعض السامعين الأحاديث الكاذبة، ويرويها دون أن يبين حقيقتها، فيأخذها غيره ويرويها على أنها أحاديث صادقة وحقائق واقعة، وقد يؤدي الاستماع إلى الباطل والأكاذيب إلى استقرار شيء منها في النفس ولو بدون قصد.
1.التثبت منهج إسلامي واضح المعالم، يقوم على صدقية الخبر وسلامة النقل، وهو أدب اجتماعي عام ضروري للحفاظ على وحدة الأمة، والناظر المتأمل سيجد أن التثبت له علاقة بكل مجالات الحياة المتنوعة، وليس هناك مجال إلا والتثبت أساس فيه، وهذا بيان لبعض المجالات التي يقوم عليها التثبت.
أولًا: المجال العلمي:
إن أوجب ما يدخله التثبت هو المجال العلمي بكل أنواعه وتفاصيله، بل إذا تأملنا لوجدنا أن التثبت هو العلم، والعلم هو معرفة الأمور على حقيقتها، وأخص ما يدخله التثبت في المجال العلمي التثبت في النواحي الدينية.
ويناول البحث في موضوع التثبت في النواحي الدينية أمرين:
الأول: التثبت في نقل كلام الله تعالى.
يقول ابن القيم: «وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] .
فرتّب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريمًا منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلّث بما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربّع بما هو أشد تحريمًا من ذلك كله، وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه» 38.
إن التقول على الله بغير علم ولا دليل «هو سبب تحريف الأديان، والابتداع في الدين الحق، وهو منهج أدعياء التجديد، وتخطي الشريعة باسم الاجتهاد» 39.
إن من أخطر أنواع التثبت: التثبت في القول على الله تبارك وتعالى؛ لأن القول على الله بغير علم من أشد المحرمات، كما قال تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] .
أي: «في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه، فكل هذه قد حرمها الله، ونهى العباد عن تعاطيها؛ لما فيها من المفاسد الخاصة والعامة، ولما فيها من الظلم والتجرؤ على الله، والاستطالة على عباد الله، وتغيير دين الله وشرعه» 40.
فلابد إذن من الحذر في القول على الله بغير علم، فإنه كذب وحرام، وكثيرًا ما نسمع الناس يقولون: قال الله في الحديث القدسي، بدون تثبت من مصدر هذا القول، ناسبين إليه سبحانه ما لم يقله، فلماذا هذه الجرأة على الله؟! ولماذا هذا التسرع وعدم التثبت في القول على الله؟!
ومن هنا كان القول على الله بغير علم سببًا للضلال والإضلال.
إن حاجة العلماء والدعاة وطلاب العلم إلى التثبت في النقل عن الله -خاصة في مجال الفتيا- ماسة وخطيرة؛ لأنهم من يصدر الأحكام، ويطبّق النصوص على الوقائع والأقوال، فلا بد من التثبت من الواقعة وملابسات حدوثها، وصحة صدور القول من قائله، ومراده منه ومقصده، والتحري من توافق ذلك مع النص عند تنزيله عليه.