عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وشبك بين أصابعه) 49.
بالتعاون والتضامن بنى ذو القرنين أعظم سدٍّ في التاريخ.
قال تعالى: (حَتّى إِذا بَلَغَ بَينَ السَّدَّينِ وَجَدَ مِن دونِهِما قَومًا لا يَكادونَ يَفقَهونَ قَولًا ?93? قالوا يا ذَا القَرنَينِ إِنَّ يَأجوجَ وَمَأجوجَ مُفسِدونَ فِي الأَرضِ فَهَل نَجعَلُ لَكَ خَرجًا عَلى أَن تَجعَلَ بَينَنا وَبَينَهُم سَدًّا ?94? قالَ ما مَكَّنّي فيهِ رَبّي خَيرٌ فَأَعينوني بِقُوَّةٍ أَجعَل بَينَكُم وَبَينَهُم رَدمًا ?95? آتوني زُبَرَ الحَديدِ حَتّى إِذا ساوى بَينَ الصَّدَفَينِ قالَ انفُخوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتوني أُفرِغ عَلَيهِ قِطرًا ?96? فَمَا اسطاعوا أَن يَظهَروهُ وَمَا استَطاعوا لَهُ نَقبًا) [الكهف: 93 - 97] .
وسئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى? ?) فقال: «هو أن تعمل به، وتدعو إليه، وتعين فيه، وتدل عليه» 50.
وقال ابن القيم رحمه الله في تلك الآية: «اشتملت هذه الآية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، فيما بينهم بعضهم بعضًا، وفيما بينهم وبين ربهم، فإن كل عبد لا ينفك عن هاتين الحالتين وهذين الواجبين: واجب بينه وبين الله، وواجب بينه وبين الخلق، فأما ما بينه وبين الخلق من المعاشرة والمعاونة والصحبة، فالواجب عليه فيها أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونًا على مرضاة الله وطاعته التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه، ولا سعادة له إلا بها، وهي البر والتقوى اللذان هما جماع الدين كله» 51.
ثم بين أهمية التعاون على البر والتقوى وأنه من مقاصد اجتماع الناس فقال: «والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم هو التعاون على البر والتقوى، فيعين كل واحد صاحبه على ذلك علمًا وعملًا، فإن العبد وحده لا يستقل بعلم ذلك ولا بالقدرة عليه؛ فاقتضت حكمة الرب سبحانه أن جعل النوع الإنساني قائمًا بعضه ببعضه، معينًا بعضه لبعضه» 52.
وهذا الكلام يدل قطعًا على أن توزيع المهمات لإنجاز الأعمال من التعاون المطلوب، وأن هذا التعاون بين الأفراد ينتقل بعمل كل منهم؛ ليصبح وظيفة عامة اجتماعية تكفل العيش لعدد كبير من المجمتع، فالتعاون بين الأفراد وتقسيم العمل ظاهرتان ملازمتان للإنسان، ولا غنى له عنهما، وأن تعاون المجموعة لا ينتج ما يكفيهم فقط، وإنما يزيد ويفيض.
وهذا كلام عام في الأمور الدينية والدنيوية، فأما بالنسبة للتعاون الشرعي فإن الأسباب الدافعة لدى المسلم للتعاون على البر والتقوى والمشاركة في الخير عديدة، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فلقد كان يشارك أصحابه مشاركة فعالة في السلم والحرب، فعن سهل ابن سعدٍ الساعدي رضي الله عنه: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهو يحفر ونحن ننقل التراب، ويمر بنا فقال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره) 53.
فالتعاون من أصول البناء والتواصل الحضاري بين الأفراد وبين الأمم والشعوب.
ومن أبرز صور التعاون في المجتمع المسلم الأول: ما في الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (تزوجني الزبير رضي الله عنه وما له في الأرض من مالٍ ولا مملوكٍ ولا شيءٍ غير ناضحٍ وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه، وأستقى الماء، وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جاراتٌ لي من الأنصار وكن نسوة صدقٍ، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهى منى على ثلثي فرسخٍ، فجئت يومًا والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفرٌ من الأنصار، فدعاني ثم قال:(إخ إخ) ؛ ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير، فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفرٌ من أصحابه، فأناخ لأركب، فاستحييت منه وعرفت غيرتك. فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه قالت: حتى أرسل إليَّ أبو بكرٍ بعد ذلك بخادمٍ يكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني) 54.
وفي هذا الحديث دليل على ما تحلى به هذا المجتمع النبوي من تراحم وتعاطف وتعاون وتكافل، فالمرأة تقف بجوار زوجها تساعده في حقله، والرجل يساعد المرأة في شئون البيت، والجارة تكفي جارتها بعض الأعمال، والمجتمع يقف مع المرأة، ويمد لها يد العون، ويراعي ما جبلت عليه من حياءٍ وخجلٍ، والمرأة تراعي مشاعر زوجها، والرجل يشفق على زوجته، والأب يتفقد أحوال ابنته المتزوجة، ويسعى إلى التخفيف عنها ما أمكنه ذلك، نماذج رائعة تتجلى لنا من خلال هذا الحديث: الزوجة الصالحة التي تبذل ما في وسعها؛ لرعاية زوجها وبيتها، وتتجشم الصعاب وتواجه الأعباء بصبرٍ ورضا، فتكافح مع زوجها، وتعمل في البيت والحقل أعمالًا ليست باليسيرة، لكنها تصبر وتحتسب، والجيران الصادقون المتعاونون، وللتعاون بين الجيران أثرٌ عظيم في تخفيف الأعباء وتذليل الصعوبات، والمجتمع الذي تسوده المروءة والشهامة، فيساند البيت المسلم ويدعمه، ويرعاه ويصونه، والزوج الغيور المشفق على أهل بيته، والأب الذي لم تنته مهمته مع ابنته بزواجها، بل يتفقد أحوالها ويسعى لتوفير سبل الراحة لها، وفي هذا الجو الإيماني وجدت المرأة الأمن والأمان، والسعادة والطمأنينة، والحب الصادق: بيت صالح، وزوج كريم، وأب حنون، وجيران صدق، ومجتمع متراحم متعاطف، يا لها من سعادةٍ غامرةٍ وحياةٍ طيبة وإن كانت صعبةً!
بذل النصيحة وتبادلها من سمات المجتمع المسلم، ومن مقومات الأمة المسلمة، ومن أسباب بقائها وخيريتها.
قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ? وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ? مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [آل عمران: 110] .
فمن أسمى أوصاف مجتمع الإيمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو سر بقائهم وارتقائهم واستحقاقهم لرحمة الله تعالى التي تغمرهم في دنياهم وتغشاهم في أخراهم.
وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? أُولَ?ئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ? إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ?71?) [التوبة: 71] .
وقال تعالى: (وَالْعَصْرِ ?1?إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ?2?إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ?3?) [العصر: 1 - 3] .
وسر التعبير بـ (وَتَوَاصَوْا) بالماضي الدلالة على ثباتهم ومضيهم في التواصي، والحق هو الأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره، وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته واتباع كتبه ورسله 55.
ومدار السورة الكريمة حول إصلاح النفس ودعوة الغير، فإصلاح النفس بالإيمان والعمل الصالح، ودعوة الغير بالتواصي بالحق مع التواصي بالصبر.
والتواصي بالحق: التواصي بالسير على هذا المنهج، والمضي فيه، والثبات عليه، هذا المنهج القويم وذلك الطريق المستقيم الذي نهجه الإسلام ودعا إليه.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مقومات خيرية هذه الأمة ومعالم نهضتها وسبقها وتفوقها وتميزها، عن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها في أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعًا، وإن تركوهم غرقوا جميعًا) 56.
وعلى هذه الأسس قام المجتمع المسلم الأول، فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلمٍ) 57، وفي رواية لأبى داود: قال: (وكان إذا باع الشيء أو اشتراه قال: أما إن الذى أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك فاختر) 58.
وعن تميمٍ الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة) . قلنا: لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) 59.
يطالب الإسلام كل قادرٍ على العمل أن يعمل، وأن يعان على عمله؛ ليكفي نفسه وأسرته، والناس متفاوتون، فمنهم العاجز الذي لا يقدر على العمل، ومنهم العاطل الذي لا يجد عملًا ولم يبادر المجتمع لتيسير عملٍ مناسبٍ له، وفيهم العاملون الذين لا يكفيهم دخلهم لتحقيق معيشة إنسانية لائقة؛ لقلة الدخل، أو لكثرة العيال، أو لغلاء الأسعار، أو غير ذلك من الأسباب، والإسلام لم يترك هؤلاء للفقر ينهبهم والضياع يشتتهم، بل كفل لهم ما يعينهم على تكاليف الحياة.
قال تعالى: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى? حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ? ذَ?لِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون [الروم: 38] .
وقال: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ*لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ?25?) [المعارج: 24 - 25] .
وجعل الإسلام موارد متعددة للفقراء والمساكين.
قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى? عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?41?) [الأنفال: 41] .
(مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى? رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى? فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ? وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ?7?) [الحشر: 7] .
واهتم الإسلام بالطبقات الضعيفة في المجتمع، فشرع لهم من الأحكام والوسائل ما يكفل لهم العمل الملائم لكل عاطل، والأجر العادل لكل عامل، والطعام الكافي لكل جائع، والعلاج الكافي لكل مريض، والكساء المناسب لكل عريان، والكفاية التامة لكل محتاج، وتشمل هذه الكفاية: المأكل والملبس والمسكن وكل ما لابد منه على ما يليق بحاله من غير إسراف ولا تبذير ولا تقتير للشخص ومن يعوله 60.
عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: (بينما نحن في سفرٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجلٌ على راحلةٍ له، فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من كان معه فضل ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زادٍ فليعد به على من لا زاد له) فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضلٍ) 61.
ومن صور التكافل المثمر ما كان بين المهاجرين والأنصار، حيث خرج المسلمون من مكة تاركين تجاراتهم وبيوتهم وهاجروا للمدينة فكان من الأنصار المواساة والتكافل، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: (اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال:(لا) ، فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة؟ فقالوا: سمعنا وأطعنا). وفي رواية: قالت الأنصار: (اقسم بيننا وبينهم النخل) وذكره، ولم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم 62.
وبهذا وجد كثير من المهاجرين فرصًا للعمل في هذا المجتمع الجديد الذي هاجروا إليه؛ مواساة من إخوانهم من الأنصار.
وحين أسلم سلمان الفارسي -وكان رقيقًا عند يهوديٍ- أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكاتب، أي: يسعى لإعتاق نفسه من اليهودي بمال ونحوه، قال سلمان: (فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلةٍ أحييها له بالفقير وبأربعين أوقيةً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:(أعينوا أخاكم) . فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين وديةً، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشرٍ، يعنى الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائةٍ وديةٍ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فائتني، أكون أنا أضعها بيدي) . ففقرت لها وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها، فجعلنا نقرب له الودى، ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فوالذي نفس سلمان بيده، ما ماتت منها وديةٌ واحدةٌ، فأديت النخل وبقى علي المال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهبٍ من بعض المغازي، فقال: (ما فعل الفارسي المكاتب؟) قال: فدعيت له، فقال: (خذ هذه، فأد بها ما عليك يا سلمان) . فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: (خذها فإن الله عز وجل سيؤدى بها عنك) . قال: فأخذتها، فوزنت لهم منها، والذى نفس سلمان بيده أربعين أوقيةً، فأوفيتهم حقهم، وعتقت. فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، ثم لم يفتني معه مشهدٌ) 63.
والإنفاق المثمر في سبيل الله هو ما كان خالصًا لوجه الله تعالى، ويشمل سائر وجوه الخير التي أمر الله بها، وهو أساس التضامن العائلي والاجتماعي البناء، ومن ثماره الطيبة تطوير الإمكانات العلمية والاقتصادية والدفاعية للأمة، فإذا بخل الأفراد في الإنفاق أصاب الأمة الهلاك وطمع بها الأعداء، فليس الإنفاق مقتصرًا على بذل المال، بل يشمل بذل كل ما ينفع المجتمع ويعود عليه بالخير، فهناك من هو بحاجة إلى المال، وهناك من هو بحاجة إلى الهداية والتوجيه الرشيد، وهناك من يفتقر إلى العلم والمعرفة والخبرة، وهناك من يفتقر إلى المساعدة بالجهد العضلي، وغير ذلك من مصالح الضعفاء والفقراء والعاجزين.
للشورى مكانتها في المجتمع المسلم، فهي ركنٌ هامٌ من أركانه، ومقصد كريمٌ من مقاصده، ولها مجالاتها المتعددة في الأمور التي لم يرد فيها نص من كتابٍ أو سنة، أما ما ورد فيه نص فلا مجال للتشاور والاجتهاد فيه؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، حيث يقوم أهل الحل والعقد أو أولو الأمر وأهل المسئولية بالاجتماع؛ للنظر في أمر من الأمور التي تهم المسلمين أو طائفة منهم، وتطرح الأفكار على مائدة الحوار، وتتم المناقشة في جو يسوده الود والوئام، والحرص على الحق والصواب، بالوسيلة التي يراها المجتمع والتي لا تخالف شرع الله، ولا تجافي الفطرة، ولا تبدد الأوقات، ولا تعطل الطاقات، ولا تفوت المصالح العامة، ولا تخالف أصلًا شرعيًّا.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الحجرات: 1] .
وقال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ? وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا(36) ٹ) [الأحزاب: 36] .
(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [النور: 51] .
فلا ينبغي تقديم قول أو رأي أو أمر على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
والمؤمن الصادق هو الذي يمتثل أوامر الله ورسوله، ويجتنب ما نهى عنه الله ورسوله، يفعل ذلك عن إيمان وتسليم ورضا وقبول. والمجتمع المسلم مجتمع الأمن والأمان، والمودة والرحمة، والبر والتقوى، والتعاون والتضامن والتكافل، والتشاور والتناصح. والحاكم المسلم يستشير أهل العلم والخبرة والنصح والرشد، يقول صلى الله عليه وسلم: (المستشار مؤتمن) 64.
فينبغي أن يتخير الحاكم المسلم من الأمة الإسلامية أفضلهم علمًا، وأحسنهم خلقًا، وأخلصهم نصحًا، حتى يحقق بفضل مشورتهم المخلصة ما فيه الخير والصلاح للعباد والبلاد. وصدق القائل 65:
إذا كنت في حاجةٍ مرسلًا
فأرسل حكيمًا ولا توصه
وإن خطب أمر عليك التوى
فشاور لبيبًا ولا تعصه
والشورى ضرورة من الضرورات التي لابد منها، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية ما يبين لنا أهمية الشورى وضرورتها في إطار المجتمع الإسلامي.
قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ? وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ? فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ? فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ?159?) [آل عمران: 159] .
وقد نزلت هذه الآية إثر غزوة أحد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نزل عن رأيه وأخذ برأي الأغلبية من الصحابة، ولم يتحقق النصر المأمول، فقد يكون هذا الحدث ذريعة لاستبداد القائد أو الحاكم برأيه دون أن يلتفت لآراء الجند أو البطانة، فنزلت الآية تؤكد للأمة أن الشورى أساس الحكم وأن الأمة إن خسرت معركة فذلك خير من أن تخسر الأمة شخصيتها ويتحكم فرد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصيرها وإرادتها 66.
فكان نبينا صلى الله عليه وسلم يتشاور مع أهل الرأي السديد من الصحابة، وكان الصاحبان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من أهل مشورته، وكان يقول لهما: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما) 67.
وفي قصة الإفك استشار النبي صلى الله عليه وسلم اثنين من أقرب الناس إليه، هما علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهم، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالبٍ وأسامة بن زيدٍ حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم -والله- إلا خيرًا. وأما علي بن أبي طالبٍ فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثيرٌ، وسل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال:(يا بريرة، هل رأيت فيها شيئًا يريبك) ، فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرًا أغمصه عليها قط أكثر من أنها جاريةٌ حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله ولقد كان لهذه المشورة ثمرتها، حيث قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبيٍ ابن سلول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يعذرني من رجلٍ بلغني أذاه في أهلي، فوالله، ما علمت على أهلي إلا خيرًا) 68.
(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى? بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [الشورى: 38] .
فالشورى نابعةٌ من الاستجابة لأوامر الله، من هذه الركيزة تنطلق، وعطف التشاور على إقامة الصلاة؛ لبيان كون التشاور فريضة شرعية يجب إقامتها كما أن الصلاة شعيرةٌ، وبالتشاور صلاح أمور الدنيا، كما أن الصلاة عماد الدين، والشورى ليست أمرًا شكليًا، أو طقوسًا سياسية، كذا الصلاة ليست عبادة ظاهرية فحسب، بل عبادة قلبية لها ثمراتها التي لا تتحقق إلا بإتقانها، وكذلك الشورى لن تؤتي ثمرتها ما لم تمارس بطريقة صحيحة.
يقول صاحب الظلال: «وهو كما قلنا نص مكي، كان قبل قيام الدولة الإسلامية، فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين، إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها، ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد.
والواقع أن الدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية، والجماعة تتضمن الدولة وتنهض وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية.
ومن ثم كان طابع الشورى في الجماعة مبكرًا، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة وشئون الحكم فيها، إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية، وهي من ألزم صفات القيادة» 69.
وفي السيرة النبوية الكثير من مواقف الشورى، ففي غزوة بدر طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المشورة من الصحابة الكرام حيث قال: (أشيروا علي أيها الناس) ، وهو يقصد بذلك الأنصار رضي الله عنهم، وقد ثبتوا على الحق وصدقوا ما عاهدوا الله عليه ونصروا دعوة الله.
وقال الحباب بن المنذر: (يا رسول الله، أمنزلٌ أنزلكه الله أم هي الحرب والرأي والمكيدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(بل هي الحرب والرأي والمكيدة) ، فقال الحباب: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال صلى الله عليه وسلم: (لقد أشرت بالرأي) 70.
ولقد استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة الكرام في شأن أسرى بدر 71، فأشار عمر بقتلهم، وأشار أبو بكر بقبول الفداء منهم، وكان هذا قبل نزول قوله سبحانه: (. مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى? حَتَّى? يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ? تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: 67] .
وفي غزوة الخندق أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي سلمان الفارسي بحفر الخندق 72.
وفي صلح الحديبية عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح دون أن يدخل مكة، فشق ذلك على الصحابة الذين كانت قلوبهم تهفو وتتشوق إلى زيارة بيت الله الحرام، وكان للصلح حكمه البالغة التي ظهرت فيما بعد، ومن ذلك أنه كان فرصة عظيمة لنشر الدعوة الإسلامية في ربوع الجزيرة العربية، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام أن يقوموا فينحروا ويتحللوا من الإحرام، فلم يبادر منهم أحد، فأعادها ثلاث مرات، فلم يبادر منهم أحد!! فذكر ذلك لأم سلمة، وكانت معه، فأشارت عليه برأيٍ سديد، قالت: يا نبي الله، اخرج إليهم ولا تكلم أحدًا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكلم منهم أحدًا حتى فعل ذلك، نحر بدنه وحلق، فلما رأى الصحابة الكرام ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا 73.