فهرس الكتاب

الصفحة 1606 من 2431

قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 60 - 62] .

قال الإمام أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} وغدرًا، {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} وآذنهم بالحرب {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحرب؛ إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية، وإما بموادعة، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح {فَاجْنَحْ لَهَا} ، يقول: فمل إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه» 148.

ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: يقول تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا} أي: الكفار المحاربون، أي: مالوا {لِلسَّلْمِ} أي: الصلح وترك القتال {فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلًا على ربك، فإن في ذلك فوائد كثيرة:

منها: أن طلب العافية مطلوب كل وقت، فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك، كان أولى لإجابتهم.

ومنها: أن في ذلك إجماما لقواكم، واستعدادا منكم لقتالهم في وقت آخر، إن احتيج لذلك. ومنها: أنكم إذا أصلحتم وأمن بعضكم بعضا، وتمكن كل من معرفة ما عليه الآخر، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فكل من له عقل وبصيرة إذا كان معه إنصاف فلا بد أن يؤثره على غيره من الأديان، لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم، وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجه، فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمتبعون له.

فصار هذا السلم عونًا للمسلمين على الكافرين، ولا يخاف من السلم إلا خصلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم بذلك خدع المسلمين، وانتهاز الفرصة فيهم، فأخبرهم الله أنه حسبهم وكافيهم خداعهم، وأن ذلك يعود عليهم ضرره 149.

وفي ظلال هذه الآية الكريمة يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «والتعبير عن الميل إلى السلم بالجنوح تعبيرٌ لطيف، يلقي ظل الدعة الرقيق. فهي حركة جناح يميل إلى جانب السلم، ويرخي ريشه في وداعة! كما أن الأمر بالجنوح إلى السلم مصحوب بالتوكل على الله السميع العليم الذي يسمع ما يقال ويعلم ما وراءه من مخبآت السرائر. وفي التوكل عليه الكفاية والأمان.

وبالعودة إلى تلخيص ابن القيم لطوائف الكفار ومواقفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقفه كذلك منهم، أول العهد بالمدينة إلى يوم بدر ونزول هذا الحكم 150.

يتبين أن هذا النص يتعلق بالفريق الذي اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقاتله وجنح إلى السلم ولم يظهر العداء والمقاومة للدعوة الإسلامية، ولا للدولة المسلمة. وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يترك هذا الفريق، وأن يقبل مهادنته ومسالمته «وذلك حتى نزلت براءة ونزل فيها إمهال من لم يكن له عهد، أو كان له عهد غير موقت، مدة أربعة أشهر، يكون له بعدها حكم آخر بحسب موقفه» ، ومن ثم فهو ليس حكمًا نهائيًا على إطلاقه الذي يؤخذ من نصه مجردًا عن هذه الملابسات، ومجردًا كذلك عن النصوص التالية له في الزمن، وعن التصرفات الواقعية بعده لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن النص كان له نوع من العموم في الحكم في حينه. فقد عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم به حتى نزلت سورة براءة، ومن عمله به كان صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة ..

ولقد اتجه بعض الفقهاء إلى اعتبار الحكم نهائيًّا ودائمًا، ففسروا الجنوح إلى السلم بقبول أداء الجزية ولكن هذا لا يتفق مع الواقع التاريخي، فإن أحكام الجزية نزلت في سورة براءة بعد السنة الثامنة للهجرة، وهذه الآية نزلت في السنة الثانية بعد بدر ولم تكن أحكام الجزية موجودة. والأقرب إلى الصحة بمراجعة الأحداث وتواريخ النزول والطبيعة الحركية للمنهج الإسلامي، أن يقال: إن هذا الحكم ليس نهائيًّا، وأنه عدل أخيرًا بالأحكام النهائية التي نزلت في سورة براءة «التوبة» والتي انتهى بها الناس إلى أن يكونوا مع الإسلام: إما محاربين يحاربون، وإما مسلمين تحكمهم شريعة الله، وإما أهل ذمة يؤدون الجزية وهم على عهدهم ما استقاموا، وهذه هي الأحكام النهائية التي تنتهي إليها حركة الجهاد الإسلامي.

وكل ما عداها هو حالات واقعية يسعى الإسلام إلى تغييرها حتى تنتهي إلى هذه الأوضاع الثلاثة التي تمثل العلاقات النهائية، وهي العلاقات التي يمثلها الحديث الذي أخرجه مسلم عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال:(اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم؛ ادعهم إلى الإسلام. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ) ) 151.

والمشكل في هذا الحديث هو ذكر الهجرة ودار المهاجرين، مع ذكر الجزية، والجزية لم تفرض إلا بعد الفتح، وبعد الفتح لم تعد هجرة «بالقياس إلى الجماعة المسلمة الأولى التي انتهت إلى دار إسلام وفتح وتمكن» ، والثابت أن الجزية لم تفرض إلا بعد السنة الثامنة، وأنها من ثم لم تؤخذ من المشركين العرب؛ لأنهم أسلموا قبل نزول الجزية، فقبلت بعد ذلك من أمثالهم من المشركين المجوس، وهم مثلهم في الشرك، ولو نزلت أحكام الجزية وفي الجزيرة مشركون لقبلت منهم كما يقرر الإمام ابن القيم. وهو -فيما ذكر - قول أبي حنيفة وأحد قولي الإمام أحمد، أما القرطبي فقد روى هذا القول عن الأوزاعي ومالك، وروى غيره عن أبي حنيفة 152.

وعلى أية حال فالذي ننتهي إليه، أن قول الله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61] .

لا يتضمن حكمًا مطلقًا نهائيًّا في الباب، وأن الأحكام النهائية نزلت فيما بعد في سورة براءة، إنما أمر الله رسوله أن يقبل مسالمة وموادعة ذلك الفريق الذي اعتزله فلم يقاتله، سواء كان قد تعاهد، أو لم يتعاهد معه حتى ذلك الحين، وأنه ظل يقبل السلم من الكفار وأهل الكتاب حتى نزلت أحكام سورة براءة. فلم يعد يقبل إلا الإسلام أو الجزية، أو هو القتال ما استطاع المسلمون هذا؛ ليكون الدين كله لله 153.

مزايا الدولة الإسلامية هي مجموعة من الخصائص والقابليات التي تفردها عن الأمم الأخرى، وتجعل لها كيانها المتكامل الفريد وشخصيتها الذاتية 154.

وهي خصائص ومزايا كثيرة، ومنها:

أولًا: التمكين في الأرض:

التمكين هو: التوثيق، وأصله إقرار الشيء في مكان. وهو مستعمل فيما يأتي من الآيات الكريمة في التسليط والتمليك. وتمكين المؤمنين الذي تتميز به الدولة المسلمة هو تسليطهم على شيء من الأرض فيكون ذلك شأنهم فيما هو من ملكهم وما بسطت فيه أيديهم.

قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .

وهذا وعدٌ من وعود الله الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة؛ لفضلها وشرفها، ونعمته عليها بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة في أنفسهم وفي غيرهم؛ لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدًّا بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة.

فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئًا، ولا يخافون أحدًا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح، بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام. فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح 155.

وفي ظلال هذه الآية الكريمة يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يستخلفهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنًا ذلك وعد الله، ووعد الله حق، ووعد الله واقع، ولن يخلف الله وعده، فما حقيقة ذلك الإيمان؟ وما حقيقة هذا الاستخلاف؟

إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله، وتوجه النشاط الإنساني كله، فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى الله، لا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله، وهي طاعة لله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في النفس، ولا شهوة في القلب، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله.

فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله، بخواطر نفسه، وخلجات قلبه. وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعا، ويتوجه بهذا كله إلى الله.

يتمثل هذا في قول الله سبحانه في الآية نفسها تعليلًا للاستخلاف والتمكين والأمن: {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} . والشرك مداخل وألوان، والتوجه إلى غير الله بعمل أو شعور هو لونٌ من ألوان الشرك بالله.

ذلك الإيمان منهج حياة كامل، يتضمن كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض أمانة الاستخلاف ..

فما حقيقة الاستخلاف في الأرض؟

إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم، إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء، وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه، وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض، اللائق بخليقة أكرمها الله.

إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد، وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على الظلم والقهر، وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان! وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم؛ ليحققوا النهج الذي أراده الله، ويقرروا العدل الذي أراده الله ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله، فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض، وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان، فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض. إنما هم مبتلون بما هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يسلطون عليهم؛ لحكمة يقدرها الله، آية هذا الفهم لحقيقة الاستخلاف قوله تعالى بعده: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} .

وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها. فقد وعدهم الله إذن أن يستخلفهم في الأرض، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض. ودينهم يأمر بالإصلاح، ويأمر بالعدل، ويأمر بالاستعلاء على شهوات الأرض، ويأمر بعمارة هذه الأرض، والانتفاع بكل ما أودعها الله من ثروة، ومن رصيد، ومن طاقة، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله. {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} ولقد كانوا خائفين، لا يأمنون، ولا يضعون سلاحهم أبدًا حتى بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قاعدة الإسلام الأولى بالمدينة.

قال الربيع بن أنس عن أبي العالية في هذه الآية: (كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوًا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وإلى عبادته وحده بلا شريك له، سرًّا وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بَعْدُ الهِجْرَةَ إلى المدينة، فقدموها، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فصبروا على ذلك ما شاء الله. ثم إن رجلًا من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنَّا السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم(لن تصبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه حديدة) وأنزل الله هذه الآية) 156.

فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله قبض نبيه صلى الله عليه وسلم فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان. حتى وقعوا فيما وقعوا فيه، فأدخل الله عليهم الخوف، فاتخذوا الحجزة والشرط، وغيروا فغير بهم.

{وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} الخارجون على شرط الله، ووعد الله، وعهد الله.

لقد تحقق وعد الله مرة، وظل متحققًا وواقعًا ما قام المسلمون على شرط الله: {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] لا من الآلهة ولا من الشهوات. ويؤمنون -من الإيمان- ويعملون صالحًا.

ووعد الله مذخورٌ لكل من يقوم على الشرط من هذه الأمة إلى يوم القيامة، إنما يبطؤ النصر والاستخلاف والتمكين والأمن؛ لتخلف شرط الله في جانب من جوانبه الفسيحة أو في تكليف من تكاليفه الضخمة، حتى إذا انتفعت الأمة بالبلاء، وجازت الابتلاء، وخافت فطلبت الأمن، وذلت فطلبت العزة، وتخلفت فطلبت الاستخلاف، كل ذلك بوسائله التي أرادها الله، وبشروطه التي قررها الله تحقق وعد الله الذي لا يتخلف، ولا تقف في طريقه قوة من قوى الأرض جميعا 157.

وقال سبحانه وتعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 39 - 41] .

والكلام هنا في الآيات الكريمة مسوقٌ للتنبيه على الشكر على نعمة النصر بأن يأتوا بما أمر الله به من أصول الإسلام، فإن بذلك دوام نصرهم، وانتظام عقد جماعتهم، والسلامة من اختلال أمرهم، فإن حادوا عن ذلك فقد فرطوا في ضمان نصرهم وأمرهم إلى الله. فأما إقامة الصلاة فلدلالتها على القيام بالدين وتجديد لمفعوله في النفوس، وأما إيتاء الزكاة فهو ليكون أفراد الأمة متقاربين في نظام معاشهم، وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلتنفيذ قوانين الإسلام بين سائر الأمة من تلقاء أنفسهم» 158.

وقد جاء هذا المعنى في آيات أخرى كقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10] .

وقوله: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56] .

ثانيًا: تحقيق العدل:

تقوم الدولة الإسلامية على العدل الحقيقي، بل تهدف إلى تحقيق أعدل سيرة ممكنة للحاكم المسلم في هذا المجال، وتتنزه عن اعتبارات الأنانية والظلم والصراع على المصالح الذاتية؛ فإن الله تعالى ما بعث الرسل وأنزل عليهم الكتب والشرائع إلا ليقوم الناس بالحق والعدل والقسط.

و العدل: هو المساواة بين الناس في تطبيق الأحكام وإعطاء الحقوق لأصحابها، وعدم التمييز بينهم في المعاملة تبعًا للهوى والمصلحة الذاتية.

وقد أعلى الإسلام من قيمة العدل فجعله الغاية من إرسال الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وإنزال الشرائع والكتب. قال سبحانه وتعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25] .

وبالعدل والحق قامت السماوات والأرض. قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85] .

وقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8] .

وقال أيضًا: {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 3] .

وبالعدل يطمئن الناس على حقوقهم، وتتطهر قلوبهم ونفوسهم من الأحقاد والخصومات و الضغائن، وعندئذ تسودهم السعادة وينتشر بينهم السلام، ويترقون في مدارج الحضارة والعلم والرقي 159.

والإسلام يسير في إقرار العدل والدعوة إليه بخطوات متدرجة، فيبدأ بالعدل مع النفس: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135] .

ثم العدل مع الأهل و الأسرة: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت