فهرس الكتاب

الصفحة 818 من 2431

أثنى القرآن الكريم على المقيمين للصلاة في كثير من المواضع ووعدهم بالأجر الكبير؛ ليحث على إقامتها والالتزام بها، من ذلك قوله عز وجل: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) } [الأنفال:3 - 4] .

فقد وصف الله تعالى المقيمين للصلاة المنفقين من مال الله بأنهم هم المؤمنون الذين لا شك في إيمانهم كشك المنافقين، أولئك لهم الجنة يرتقونها بأعمالهم، والرزق الكريم الذي أعده الله لهم فيها 40.

وقال عز وجل: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } [لقمان:4 - 5] .

واستخدم المولى تبارك وتعالى في هذه الآية محفزًا حسيًا يفهمه البشر، فقد وصف تعالى المصلين المزكين المؤمنين بوجود اليوم الآخر بأنهم على رشاد، ثم استخدم كلمة «المفلحون» في وصفهم، فالبشر يعون تمامًا فكرة الزراعة المبنية على البذر والتكاثر والحصاد، فاستدل بالأمر المشهود على الأمر الغيبي، كأنه تعالى يعدهم إذا فعلوا تلك الأوامر أنه سيبارك في طاعتهم التي هي بذرهم، وسيجزل لهم الحصاد بفضله وكرمه عز وجل 41.

وامتدحهم المولى أيضًا عندما وصفهم بالخشية، ثم نعتهم بالمزكين لأنفسهم، قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [فاطر:18] .

والتزكية تعني التطهير، فالمقيم للصلاة يطهر نفسه بتلك الصلاة من شوائب الأعمال؛ حتى ينال وصف الخاشين لله تعالى، وقد وصفت الصلاة بأنها زكاة الأعمال لا زكاة الأموال، وأن صاحبها سيرى أثرها يوم القيامة عندما تصير النفوس إلى الله راجية رحمته وثوابه عز وجل 42.

كما أثنى المولى على المقيمين للصلاة في وقت كسب أرزاقهم، ووصفهم بالرجال الذي يخافون العقاب، ووعدهم بجزاء أحسن من عملهم، وزيادة من الفضل والرزق 43.

قال تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) } [النور:37 - 38] .

وأكد تعالى أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بعد التوبة تقتضي الأخوة في الدين، وهذا ثناء عظيم ووعد بحياة جديدة طاهرة للتائب يساند فيها المسلم أخاه المسلم.

قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة:11] .

ثالثًا: ذم المضيعين لها:

ذم الله تعالى تضييع الصلاة والتهاون في أدائها، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) } [الماعون:4 - 5] .

فقد توعد الله تعالى الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ويغفلون عنها بسبب لهوهم في الحياة الدنيا بالويل 44 وهو العذاب الأليم أو وادٍ في جهنم، وهذه هي قمة الذم لمن يفرط في صلاته، ولعل العاقل يشمئز من هذا الوصف فيراجع نفسه ويعود لرشده، فيقيم الصلاة في وقتها ولا يهملها 45.

وقد ذمهم الحق مرة أخرى عندما وصفهم بتضييعها، وقد ذكر تضييع الصلاة ثم أعقبه باتباع الشهوات، فهذا ما يتبع تضييعها عادةً، ثم توعدهم الله تعالى بالغي، وهو الشرود والضلال، وعاقبة الشرود الضياع والهلاك 46.

قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) } [مريم:59] .

ثم فصل المولى عز وجل في الوصف الذميم لتاركي الصلاة، تأمل قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) } [النساء:142] .

فوصفهم بادئ ذي بدء بالنفاق الممقوت؛ فهم يقيمون الصلاة تظاهرًا أمام الناس ليخدعوا المسلمين وليشاهدهم الناس وينخدعوا بهم، وفي الصلاة التي يراؤون بها الناس لا يقولون كل المطلوب منهم لتمامها، بل يقولون المطلوب قوله جهرًا فقط، كأن يتمتموا بالفاتحة وبعض القرآن ولكنهم في أثناء الركوع والسجود لا يسبحون باسم الله تعالى 47.

وتأكيدًا على الذم، قرر المولى عز وجل أن الشيطان هو المسؤول عن الصد عن ذكر الله والصلاة، وفي هذا تشنيع على المتمسك بتغييب عقله اللاهث وراء الشيطان وإغوائه.

قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) } [المائدة:91] .

وعندما ذم الله تعالى أعتى ظلمة الجاهلية - أبا جهل- وصفه بتكذيب كلام الله والإعراض عن الصلاة، قال تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) } [القيامة:31 - 32] .

ولعل اقتران ترك الصلاة مع التكذيب بالله فيه من التشنيع ما يكفي، فضلًا عن أن من وصف به هو أبو جهل! فالأصل أن يتجنب كل ذي لبٍ التشبه بعمل ذلك الكافر 48.

ذكر القرآن الكريم حالات للناس مع الصلاة، ومن تلك الحالات ما يأتي:

أولًا: المقيمون للصلاة:

إقامة الصلاة هي ما يأمر به الدين، قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) } [الإسراء:78] .

وقال على لسان عبده لقمان: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) } [لقمان:17] .

وامتدح عباده المؤمنين بإقامة الصلاة، قال عز وجل: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) } [الحج:41] .

وكذلك وصفهم بإقامتها في قوله عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) } [الأنفال:2 - 3] .

فقد استخدم القرآن الكريم أسلوب الحصر، أي أن هؤلاء المذكورة أوصافهم هم المؤمنون بحق، وغيرهم -ممن لا يتصف بوجل القلب وزيادة الإيمان بتلاوة القرآن والتوكل و إقامة الصلاة والإنفاق- ليسوا بمؤمنين حقًا.

ويؤكد هذا المفهوم ما ورد بعد ذلك بآية، قال تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال:4] .

ومن لا يؤمن بحق فهو غير مؤمن أصلًا، يقول تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس:32] .

أي من لم يتبع الحق فهو بالتأكيد اتبع ما يخالفه 49، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الآية تعني أن من اتصف بتلك الأوصاف هو المؤمن كامل الإيمان، بينما من لم يتصف بها هو المؤمن ناقص الإيمان، فلا ينتفي عنه الإيمان بالجملة 50، والله تعالى أعلى وأعلم.

وإقامة الصلاة تعني أداءها بشكل كامل، متممًا أركانها وفرائضها وشروطها مع الخضوع والخشوع لله تعالى، مع استحضار الخشية والرجاء لله تعالى 51.

وهذه هي الصلاة التي تحقق آثارها المذكورة في قوله عز وجل: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45] .

قال ابن عباس: «في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد إلا بعدًا» 52.

ولأهمية الصلاة لم يسقطها الشرع عن المكلف أبدًا، فإن لم يستطع الإنسان تأديتها واقفًا، فقاعدًا، وإن أنهكه المرض عليه أن يؤديها بما بقي لديه من حواس، ولأهميتها أيضا نجد أنها تبقى مع الإنسان إلى آخر رمقٍ في حياته، وهي قد أخذت أهميتها في التشريع على قدر أهميتها في التكليف؛ فكل تكاليف الإسلام قد جاءت بواسطة الوحي إلا الصلاة، فقد جاءت مباشرة من الله تعالى عندما أمر عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بها أثناء رحلة الإسراء والمعراج 53.

ولم يأمر الله تعالى بالصلاة ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة، نحو قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ} [لقمان:17] .

وقوله: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النساء:162] .

وقوله: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [الأنفال:3] .

ولم يقل: «المصلي» إلا في معرض وصف المنافقين، تأمل قوله عز وجل: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) } [الماعون:4 - 5] .

وذلك تنبيه أن المصلين المؤدين تأديةً مجردة عن الخشوع والإذعان والرجاء كثير والمقيمين لها قليل 54.

ثانيًا: التاركون للصلاة:

ذكر القرآن الكريم صنفًا آخر من الناس، وهم الذين يتركون إقامة الصلاة، قال تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) } [القيامة:31 - 32] .

والمقصود بالآية الكريمة رأس الكفر أبو جهل، فلم يصدق بكتاب الله، ولم يصل له صلاة، وما كان منه إلا التكذيب بالقرآن والرسالة النبوية، والإدبار عن طاعة ربه تبارك وتعالى 55.

وقد توعد المولى عز وجل أبا جهل ومن على شاكلته بالعقاب المنتظر يوم القيامة، قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) } [القيامة:36] .

أي: هل يظن الجاهل أن الله سيتركه دون بعث أو حساب؟! 56.

وقد ذكر القرآن الكريم من اتخذ الصلاة هزوا ولعبًا في قوله تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) } [المائدة:58] .

وذكر في سبب نزول الآية أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قال اليهود والمنافقون: قد قاموا لا قاموا، وصلوا لا صلوا، ويضحكون على طريق الاستهزاء، فأنزل الله هذه الآية 57.

فهؤلاء الضالون اتخذوا من الصلاة -على ما لها من العظمة والجد- هزؤا، فيتعمدون الضحك والسخرية، وعلى شاكلتهم بعض الشباب الفاسد الذي ترك الصلاة واستهزأ بمن يصلي، وبين سبحانه أن سبب ذلك عدم انتفاعهم بعقولهم فكأنهم لا عقول لهم، وذلك لأن تأمل مستلزمات الصلاة من التطهر لها وحسن التزين مع التخلي عن الدنيا والإقبال على المولى جل وعلا، والتحلي بالقراءة لأعظم الكلام، والخشوع والخضوع لمالك الملك بمجرده كافٍ في اعتقاد حسنها وعظمتها وهيبتها وكمالها 58.

وقد ذكر المولى عز وجل أن جيلًا ظهر بعد ذرية الأنبياء الصالحة، كانوا من العاصين فضيعوا الصلاة ولم يؤدوها واتبعوا شهواتهم الدنيوية، وتوعدهم بالعذاب الشديد، أو هو واد في جهنم، تأمل قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) } [مريم:59] .

وقد ورد في معنى إضاعة الصلاة عدة تأويلات، فقد تكون إضاعتها بتركها وهذا هو الأشهر، أو جحدها، أو تضييع مواقيتها 59.

ويلاحظ أن إضاعة الصلاة هي مدخل اتباع الشهوات، كيف لا وهي الناهية عن الفحشاء والمنكر الرادعة عن كل قبيح!

وصور لنا المولى عز وجل موقف العذاب في نار جهنم للضالين، وبدأ أسباب العذاب بترك الصلاة ثم أورد عدم الإطعام، والخوض والتكذيب بيوم الدين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظمة الصلاة ومنزلتها عند الله تعالى فقد ذكرها قبل كل شيء.

قال تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) } [المدثر:42 - 43] .

والصلاة المقصودة هنا هي الصلوات المفروضة، وسقر اسم من أسماء نار جهنم، قال بشأنها رب العزة {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) } [المدثر:28] .

قال الواحدي: «إن سقر لإحدى الأمور العظام» 60.

ولا تخفى ملاءمة العقاب لأهمية المأمور به.

ولعل مما يشير أيضًا إلى أهمية الصلاة، ذم القرآن الآمر بتركها الناهي عن إقامتها، قال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) } [العلق:9 - 10] .

وفي الآية تعجبٌ من تغطرس أبي جهل وجراءته على ربه العظيم، فالله يأمرنا بالصلاة وهذا الفرعون ينهى رسول الله عنها! 61، فكان الرد الرباني متوعدًا ذلك الكافر بالعذاب، وآمرًا نبيه الكريم والمؤمنين بالتقرب والصلاة، قال تعالى: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) } [العلق:19] .

ثالثًا: الساهون عن الصلاة:

يعد السهو في الصلاة سببًا رئيسًا لاستحقاق العذاب يوم القيامة، قال المولى عز وجل: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) } [الماعون:4 - 7] .

وقد توعدت الآيات من يلهو عن إقامة الصلاة وهم المنافقون ومن على شاكلتهم، يؤخرون أداءها حتى يضيع وقتها، وهم في أدائهم للصلاة مراؤون حتى يشكرهم الناس، ومن خصالهم أيضًا منعهم لأدوات المنزل الأساسية التي قد يحتاجها جيرانهم كالماء والنار وغير ذلك 62.

والساهي عن الصلاة غير مبالٍ فيها لا يكترث أصلى أم لم يصل 63.

وقد ذكر الطبري أن الساهين هم المنافقون يتركون الصلاة في السر، ويصلون في العلانية، والمنافق إن صلاها لوقتها لم يرج ثوابها، وإن تركها لم يخش عقابها، فصلاته لا روح فيها ولا إقبال، وهي وبالٌ عليه، والويل الذي توعدهم به الله تعالى هو الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم 64.

وقد امتدح الله عز وجل في المقابل من لا يسهو عن وقت الصلاة مهما بلغت مشاغله الدنيوية، قال تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) } [النور:37 - 38] .

وهذا وصف المؤمنين المخلصين الذين لا تشغلهم معاملاتهم الرابحة من بيع وشراء عن إقامة الصلاة، رغم ما تقتضيه التجارة من تركيز عقلي وتعامل اجتماعي مع صنوف الناس، ورغم ما تستثيره من حب للدنيا وأرباحها، كل هذا لا يمنع المسلم الحق من إقامة الصلاة وتأدية الزكاة، فعلاقتهم بالله أولى وأوثق، وهو سبحانه العالم بهم المتفضل عليهم، يعدهم بأحسن مما عملوا، وبزيادة من الرزق، فهو الرزاق الذي لا حدود لكرمه 65.

والمولى عز وجل إذ يطلب من عباده صلاة مخلصة فهو لا يريد منهم شيئا لذاته سبحانه- فهو الغني عنهم- إنما يريد صلاح أنفسهم، وتقويم اعوجاجهم، وتطهير قلوبهم وسعادة حياتهم، يحب لهم حياة رفيعة قائمة على الشعور الصادق، والتآلف في الله، ونظافة القلب والسلوك 66.

رابعًا: المتكاسلون عن الصلاة:

جاء ذكر المتكاسلين في القيام إلى الصلاة في معرض الحديث عن صفات المنافقين، قال الله عز وجل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) } [النساء:142] .

فالمنافقون يتثاقلون إلى الصلاة، لا يرون أنها حق عليهم 67، ويكونون متقاعسين، كما ترى من يفعل شيئًا على كره لا عن طيب نفس 68.

قال التستري ذاكرًا عقاب الله على فعل أولئك المنافقين: «يسرع لهم الجزاء على إظهار الإيمان وإضمار الكفر بترك العصمة والتوفيق، وتمديد الأموال والبنين، والإطراق على عاجل الدنيا، وخاتمتهم النار» 69.

وفي قول آخر عن عقاب الله لهم: إنهم على الصراط يعطون نورًا كما يعطي المؤمنين، فإذا مضوا على الصراط، يسلبهم ربنا ذلك النور 70.

ويبقى المؤمنون ينظرون بنورهم، فينادون المؤمنين: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) } [الحديد:13 - 15] .

ولا يقبل الله عز وجل ما ينفق هؤلاء المنافقون؛ لأنهم كفروا به تعالى ولم يقيموا الصلاة، ولم ينفقوا إلا وهم كارهون، قال تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54) } [التوبة:54] .

فهؤلاء المنافقون لم يكونوا ليصلوا لولا مخافتهم مذمة المؤمنين، فكانوا إذا أمنوا وضمنوا عدم رؤيتهم من المؤمنين تركوها ولم يقيموها 71.

وكان إتيانهم إلى الصلاة إتيان المتكاسل المتذمر المستاء منها، الذي لا يؤمن بوجوبها ولا بالثواب المترتب عليها ولا بالعقاب المترتب على تركها 72، على خلاف المؤمن الذي تتوق نفسه إلى مناجاة خالقه ولا ينتظر من صلاته شكرًا من البشر.

قال القشيري: «من أطاع من حيث العادة- من غير أن تحمله عليها لوعة الإرادة- لم يجد لطاعته راحة وزيادة، ويقال: من لاحظ الخلق في الجهر من أعماله، وركن إلى الكسل في السر من أحواله فقد وسم بالخذلان، وختم بالحرمان، وهذه هي أمارة الفرقة والقطيعة» 73.

قال سيد قطب عن فعل المنافقين ومن على شاكلتهم: «فهم يأتونها مظهرًا بلا حقيقة، ولا يقيمونها إقامة واستقامة، يأتونها كسالى؛ لأن الباعث عليها لا ينبثق من أعماق الضمير، إنما يدفعون إليها دفعًا، فيحسون أنهم عليها مسخرون! وكذلك ينفقون ما ينفقون كارهين مكرهين، وما كان الله ليقبل هذه الحركات الظاهرة التي لا تحدو إليها عقيدة، ولا يصاحبها شعور دافع، فالباعث هو عمدة العمل والنية هي مقياسه الصحيح، ولقد كان هؤلاء المنفقون وهم كارهون ذوي مال وذوي أولاد، وذوي جاه في قومهم وشرف، ولكن هذا كله ليس بشيء عند الله، وكذلك يجب ألا يكون شيئًا عند الرسول والمؤمنين، فما هي بنعمة يسبغها الله عليهم ليهنؤوا بها، إنما هي الفتنة يسوقها الله إليهم ويعذبهم بها» 74.

ولعل على المسلم الفطن أن يتأمل صلاته جيدًا، ويسأل نفسه: هل أقبل على الله تعالى بكل جوارحي؟ أو أصليها مشغولًا في ملاذ الدنيا؟ هل أذهب لملاقاة ربي في الصلاة بنشاط واجتهاد كما أذهب إلى مقابلة مديري في العمل؟ أو أذهب ذهاب الكسالى المتذمرين؟ هل أقيمها أم أنا من المؤدين؟ هل أتركها وأسهو عنها أم أنا من الملتزمين؟ هل أصلي صلاة المؤمنين؟ أم هي صلاة المنافقين؟

خص الله تعالى بعض الصلوات بالذكر في القرآن الكريم، من تلك الصلوات ما يأتي:

أولًا: الصلوات الخمس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت