قال تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} [المائدة:3] .
«إن الكافرين من المشركين وغيرهم قد يئسوا من أن يردوكم عن دينكم كما كان ذلك قبل فتح مكة ودخول ثقيف وهوازن في الإسلام، وظهوركم عليهم في كل معركة دارت بينكم وبينهم؛ إذًا فلا تخشوهم بعد الآن أن يتمكنوا من قهركم وردكم إلى الكفر واخشوني أنا بدلهم، وذلك بطاعتي وطاعة رسولي ولزوم حدودي والأخذ بسنتي في كوني حتى لا تتعرضوا لنقمتي بسلب عطائي، فإن نصرتي لأهل طاعتي وإذلالي لأهل معصيتي» 54.
3.الخشية من الفقر.
قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) } [الإسراء:31] .
«وذلك أن أهل الجاهلية، كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة أو يخافون عليهم من النهب والغارات، أو أن ينكحوهن لغير أكفاء لشدة الحاجة وذلك عار شديد عندهم، فنهاهم الله عن قتلهن، وقال: {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} ، يعني: أن الأرزاق بيد الله؛ فكما أنه فتح أبواب الرزق على الرجال فكذلك يفتحه على النساء» 55. قال تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100) } [الإسراء:100] .
«قيل: لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفقر» 56.
على الإنسان أن يتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب فهو الرزاق لا تنفد خزائنه سبحانه.
4.الخشية من المخالفين.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) } [النساء:77] .
«وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانوا بمكة استأذنوا في قتل كفار مكة سرًّا، لما كانوا يلقون منهم من الأذى، فقال لهم النبيّ صلّى الله عليه وسلم: مهلًا كفوا أيديكم عن قتالهم وأقيموا الصلاة فإني لم أؤمر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمره الله تعالى بالقتال، فكره بعضهم فنزلت هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} أي: أتموها {وَآتُوا الزَّكَاةَ} يعني: أقروا بها وأعطوها إذا وجبت عليكم {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ} أي: فرض عليهم القتال بالمدينة {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ} أي: يخشون عذاب الكفار {كَخَشْيَةِ اللَّهِ} أي: كخشيتهم من عذاب الله {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} أي: بل أشد خشية، ويقال: معناه أو أشد خشية، يعني: أكثر خوفًا {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} أي: لم فرضت علينا القتال؟! {لَوْلَا أَخَّرْتَنَا} أي: يقولون: هلاّ أجلتنا {إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} وهو الموت، فبيّن الله تعالى لهم أن الدنيا فانية، فقال: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} أي: منفعة الدنيا قليلة؛ لأنها لا تدوم» 57. الخشية التي لا تكون من الله، أو لله، مذمومة ربما تنقص من إيمان صاحبها، وربما تؤدي إلى انضمامه لقائمة المتصفين بالنفاق والكفر والعياذ بالله.
5.الخشية من كساد التجارة.
قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [التوبة:24] .
« {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} يعني: اكتسبتموها بمكة، {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} يعني: تخشون أن تبقى عليكم فلا تنفق» 58.
«وفي قوله تعالى: {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} قولان: أحدهما: أنه فتح مكة، قاله مجاهد والأكثرون، ومعنى الآية: إن كان المقام في أهاليكم، وكانت الأموال التي اكتسبتموها {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} لفراقكم بلدكم {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ} من الهجرة، فأقيموا غير مثابين، حتى تفتح مكة، فيسقط فرض الهجرة. والثاني: أنه العقاب، قاله الحسن» 59.
6.الخشية على الأولاد بعد موت العائل.
قال تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) } [النساء:9] .
«أمر للأوصياء بخشية الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم، أو للحاضرين المريض عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه يضرّ بهم بصرف المال عنهم، أو للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافًا مثلهم هل يجوزون حرمانهم، أو للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية ولو بما في حيزه» 60. و «كما كنتم تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم وذريتهم» 61.
للخشية أسباب عدة، تختلف باختلاف نوع الخشية، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: أسباب الخشية الممدوحة:
1.تعظيم الله تعالى.
الخشية من الله تكون مرتبطة بتعظيم الله سبحانه وتعالى، فالخاشي لله تكون خشيته نابعة من تعظيمه لله عز وجل.
قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) } [الأنبياء:28] .
« {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} لا تخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا، وهو كالعلة لما قبله والتمهيد لما بعده، فإنهم لإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم ويراقبون أحوالهم. {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} أن يشفع له مهابة منه، {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ} عظمته ومهابته {مُشْفِقُونَ} مرتعدون، وأصل الخشية خوف مع تعظيم ولذلك خص بها العلماء» 62.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) } [الرعد:21] .
وذكر أبو حفص الحنبلي أن معنى قوله: « {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أنّ العبد، وإن قام بكلّ ما جاء عليه من تعظيم الله، والشفقة على خلق الله إلا أنه لا بد وأن تكون الخشية من الله عزّ وجلّ والخوف منه مستويان، ثم ذكر أن الخوف: هو مخافة الهيبة والجلال والتعظيم» 63.
« {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} خشية جلالٍ وهيبة ورهبة فلا يعصونه فيما أمر به» 64.
قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر:21] . «أي: من شأنه، وعظمته» 65.
2.العلم.
لقد مدح الله العلماء وخصهم بخشيته، وذلك لأنهم عارفون بالله تعالى؛ بأسمائه وصفاته وقدرته.
قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر:28] .
إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به، وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة، قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل.
وقال مسروق: كفى بخشية الله علمًا وكفى بالاغترار جهلًا، فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له.
قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم.
وقال الشعبي: العالم من خاف الله 66.
«وقال ابن عباس في تفسير الآية: كفى بالزهد علمًا. وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علمًا، وبالاعتذار جهلًا. وفي الحكم: خير علم ما كانت الخشية معه، وقال في التنوير: اعلم أن العلم حيثما تكرر في الكتاب والسنّة فإنما المراد به العلم النافع، الذي تقارنه الخشية، وتكتنفه المخافة، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ، بيّن سبحانه أن الخشية تلازم العلم، وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية» 67.
3.النجاة من العذاب في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) } [الرعد:21] .
«ويخشون ربهم وعيده عمومًا. ويخافون سوء الحساب خصوصًا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا» 68.
وقال سيد قطب: «فهي خشية الله ومخافة العقاب الذي يسوء في يوم لقائه الرهيب. وهم أولو الألباب الذين يتدبرون الحساب قبل يوم الحساب» 69.
وقال أبو بكر الجزائري: «أي: خافه فلم يعصه وهو لا يراه، كما لم يعصه عندما يخلو بنفسه ولا يراه غيره، فمثل هذا بشره بمغفرة منا لذنوبه، وأجر كريم على صالح عمله؛ وهو الجنة دار المتقين» 70.
قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) } [عبس:8 - 9] .
«جاءك مسرعًا يجري وراءك يناديك بأحب الأسماء إليك: يا رسول الله، والحال أنه يخشى الله تعالى ويخاف عقابه؛ فلذا هو يطلب ما يزكي به نفسه ليقيها العقاب والعذاب» 71.
4.الرغبة في المغفرة والثواب.
الهدف الأسمى الذي يسعى إليه المسلمون، هو نيل رضا الله سبحانه وتعالى والفوز بجنته، وذلك يتأتى بإذن الله لمن شاء فهو غفار الذنوب، والمكافئ بالثواب الجزيل.
قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) } [يس:11] .
معنى {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} أي: خاف عقابه وهو غائب عنه، أو خافه في سريرته ولم يغتر برحمته؛ فإنه منتقم قهار كما أنه رحيم غفار 72.
فبشر من اتبعك وانتفع بك بمغفرة واسعة وجنة عرضها السماوات والأرض، وبأجر على ذلك كريم 73.
{وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} خاف عقابه قبل حلوله ومعاينة أهواله، أو في سريرته ولا يغتر برحمته؛ فإنه كما هو رحمن، منتقم قهار. {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} 74.
ثانيًا: أسباب الخشية المذمومة:
1.ضعف الإيمان.
ضعيف الإيمان يخلو قلبه من الخشية، فتجده لاهيًا في صلاته أو مضيعًا لها، قاسيًا في معاملته للآخرين، فالمؤمن الذي يخشى الله يكون حريصًا على كسب رضا الله، رحيم القلب، قلبه وجلًا من خشية الله، فهو يرى ذنبه كالجبل فيداوم على الذكر والاستغفار، بينما ضعيف الإيمان والمنافق دائم الطمأنينة، قاسي القلب، لا يوجل ولا يخشى الله، تكون خشيته من الناس وليس من الله، وذلك بسبب جهله وعدم معرفته بقدر الله وعظمته وجلاله سبحانه.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) } [النساء:77] .
قال المراغي: الخطاب لجماعة المسلمين وفيهم المنافقون والضعفاء، أمرهم الله بحقن الدماء وكف الأيدي عن الاعتداء، وإقامة الصلاة والخشوع لله، وإيتاء الزكاة التي تمكن الإيمان في القلوب، وتشد أواصر التراحم بين الخلق، وقد كانوا من قبل ذوي إحن وأحقاد وتخاصم وتلاحم وحروب مستمرة.
فلما جاء الإسلام أحبوا أن يكتب عليهم القتال ليسيروا على ما تعودوه، ولكن حين كتب عليهم كرهه الضعفاء منهم وخافوا أن يقاتلهم الكفار وينزلوا بهم النكال والوبال، كما خافوا أن ينزل الله بهم بأسه وعقابه، بل رجحوا خوفهم من الناس على خوفهم من الله، وقالوا: ربنا لماذا كتبت علينا القتال في هذا الوقت؟
هلا أخرتنا حينًا من الدهر نموت حتف أنوفنا موتًا طبيعيًّا، فبيّن الله تعالى أن طلبهم للإنظار إنما هو خشية الموت والرغبة في متاع الدنيا ولذاتها، مع أن كل ما يتمتع به في الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى متاع الآخرة؛ لأنه محدود فان، ومتاع الآخرة كثير باق ولا يناله إلا من اتقى الله وابتعد عن الأسباب التي تدنس النفس بالشرك والأخلاق الذميمة، فحاسبوا أنفسكم واعلموا أنكم ستجزون بأعمالكم، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر 75.
2.محبة الذرية.
من الناس من يفني حياته في سبيل توفير الراحة والحياة الرغيدة لأولاده، فيجتهد في كنز الأموال ويصبح الشح والبخل صفة ملازمة له، وينسى أن يقدم لآخرته ببذل الصدقات ولو بأقل القليل، كذلك يخشى على نفسه الموت، فيتقاعس عن الجهاد في سبيل الله، وذلك نتيجة جهلهم أن أولادهم وأموالهم لا تغني عنهم من الله شيئًا، وأن الأعمار والأرزاق بيد الله سبحانه.
قال تعالى: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) } [المجادلة:17] .
كان عبد الله بن أبي ابن سلول مهيأ لأن يملكوه على المدينة قبيل إسلام الأنصار، فكانوا يفخرون على المسلمين بوفرة الأموال وكثرة العشائر وذلك في السنة الأولى من الهجرة، ومن ذلك قول عبد الله بن أبي ابن سلول: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) } [المنافقون:8] .
يريد بالأعز فريقه وبالأذل فريق المسلمين، فآذنهم الله بأن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم مما توعدهم الله به من المذلة في الدنيا والعذاب في الآخرة» 76.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [التوبة:23 - 24] .
نجد في الآيات تحذيرًا من العلائق التي قد تفضي إلى التقصير في القيام بواجبات الإسلام، ومن الأسباب التي تتعلق بها نفوس الناس فيحول تعلقهم بها بينهم وبين الوفاء ببعض حقوق الإسلام، فلذلك ذكر الأبناء هنا؛ لأن التعلق بهم أقوى من التعلق بالإخوان.
ثم تحذير من التهاون بواجبات الدين مع الكناية عن جعل ذلك التهاون مسببًا على تقديم محبة تلك العلائق على محبة الله، وفيه إيقاظ إلى ما يؤول إليه ذلك من مهواة في الدين.
وهذا من أبلغ التعبير، وجعل التفضيل في المحبة بين هذه الأصناف وبين محبة الله ورسوله والجهاد؛ لأن تفضيل محبة الله ورسوله والجهاد يوجب الانقطاع عن هذه الأصناف، فإيثار هذه الأشياء على محبة الله يفضي موالاة إلى الذين يستحبون الكفر، وإلى القعود عن الجهاد، ووصفهم الله تعالى حين تقاعسهم بالفاسقين 77.
3.حب الدنيا.
إنّ حب الدنيا وتقديمها على الآخرة من أعظم البلايا التي تصيب الأمة في دينها ودنياها، والناظر إلى تاريخ الأمة يجد أنّه لا يمكن أن تستباح أراضيها وأعراضها وحرماتها إلا عندما تتخلى عن دينها، ولا تتخلى عن دينها إلا إذا رغبت في دنياها.
قال تعالى: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) } [القيامة:20 - 21] .
«كلا: معناه حقًّا، أي: حقًّا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة، أي: أنهم يحبون الدنيا ويعملون لها، ويتركون الآخرة ويعرضون عنها» 78.
قال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) } [الأعلى:16 - 17] .
«قوله عز وجل: بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى، يعني: أن الدنيا فانية والآخرة باقية، والباقي خير من الفاني، وأنتم تؤثرون الفاني على الباقي» 79.
4.النفاق.
قال الجرجانيّ: النّفاق: «إظهار الإيمان باللّسان وكتمان الكفر بالقلب» 80.
والنفاق كالكفر والشرك والفسق، على مراتب ومنه ما هو مخرج من الملة، وهو النفاق الاعتقادي، ومنه ما ليس مخرجًا من الملة، وهو النفاق العملي.
قال ابن رجب: ومن أعظم خصال النّفاق العمليّ، أن يعمل الإنسان عملًا ويظهر أنّه قصد به الخير، وإنّما عمله ليتوصّل به إلى غرض له سيء، فيتمّ له ذلك ويتوصّل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه وحمد النّاس له على ما أظهره، ويتوصّل به إلى غرضه السيء الّذي أبطنه» 81.
ومن صفاتهم: مظاهرة الأعداء على المسلمين.
قال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) } [النساء:138 - 139] .
قال الطبري: إن الله تعالى يطلب من نبيه أن يخبر المنافقين الذين يوالون الكفار ويناصرونهم على المسلمين بأنّ لهم عذابًا أليمًا، فهل هم يطلبون منهم العزة والمنعة، لكن العزة والمنعة لله جميعًا، فهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم، هم الأذلاء الأقلاء، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين، فيلتمسوا العزّة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة، الذي يعزّ من يشاء ويذل من يشاء 82.
ومن صفاتهم: كراهية ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من حث على الجهاد، والفرح بالقعود مع الخوالف.
قال تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) } [التوبة:81] .
فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله، وهم من المنافقين، فأذن لهم، وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو الذين خلفهم الله وثبطهم، أو الشيطان، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، سبب ذلك الشح بالأموال والأنفس، وعدم وجود باعث الإيمان وداعي الإخلاص ووجود الصارف عن ذلك، وهو ما هم فيه من النفاق، {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} أي: قال المنافقون لإخوانهم هذه المقالة تثبيطًا لهم، وكسرًا لنشاطهم: وتواصيًا بينهم بالمخالفة لأمر الله ورسوله، ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: {نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} 83.
قال تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) } [المائدة:52] .